هل بدأت الحرب العالمية الثالثة من الشرق الأوسط؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
ما يحدث في الشرق الأوسط لم يعد ، في تقديري ، مجرد سلسلة من الحروب الإقليمية المتلاحقة أو صراعاً تقليدياً بين دول تتنافس على النفوذ، بل أصبح جزءًا من مشهد دولي أوسع يعكس التحولات الكبرى التي يعيشها النظام العالمي. ومن هذا المنطلق ، يمكن النظر إلى هذه المواجهات باعتبارها إحدى ساحات الصراع العالمي المحتدم على شكل النظام الدولي القادم، وهو صراع يرى بعض المحللين أنه يحمل سمات الحروب العالمية ، حتى وإن اختلفت أدواته عن الحروب التقليدية التي عرفها القرن العشرون.
جوهر الصراع لا يتعلق فقط بالحدود أو التحالفات العسكرية، وإنما بمن سيقود العالم خلال العقود المقبلة. فالولايات المتحدة ، التي انفردت بقيادة النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تواجه اليوم تحدياً استراتيجياً غير مسبوق من الصين وروسيا، اللتين تعملان على إعادة تشكيل موازين القوى وإنهاء مرحلة الأحادية القطبية. ولذلك، فإن الصدام الدائر ليس مجرد تنافس على النفوذ، بل هو معركة على مستقبل النظام الدولي ذاته؛ هل يستمر العالم تحت قيادة قطب واحد، أم يدخل عصراً جديداً تتوزع فيه القوة بين عدة أقطاب؟
وفي هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط أكثر من مجرد مسرح للعمليات العسكرية ؛ فهو يمثل العقدة الجيوسياسية الأهم في العالم، حيث تتقاطع طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية والمصالح الأمنية للقوى الكبرى. ومن ينجح في ترسيخ نفوذه داخل هذه المنطقة لن يمتلك فقط أوراقاً إقليمية ، بل سيحصل على أدوات تأثير تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
ضمن هذه الرؤية، تبرز إيران باعتبارها لاعباً محورياً في معادلة التوازنات الإقليمية والدولية. فهي ليست مجرد دولة ذات نفوذ إقليمي، بل تمثل حلقة اتصال بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، وتملك تأثيراً مباشراً على أحد أهم مصادر الطاقة في العالم. ويرى أصحاب هذا الطرح أن أي تغيير جذري في طبيعة النظام الإيراني أو موقعه الجيوسياسي سيؤثر في معادلات تتجاوز حدود المنطقة، ليصل إلى علاقة الصين بمصادر الطاقة ، وإلى قدرة روسيا على الحفاظ على عمقها الاستراتيجي ومنافذها البحرية، فضلًا عن إعادة رسم خريطة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذه الحسابات أكثر تعقيداً مما كان يُتصور. فبدلًا من حسم سريع يعيد تشكيل المنطقة وفق رؤية طرف واحد، دخلت القوى الدولية في حالة استنزاف متبادل، حيث تحولت ساحات الصراع إلى مصدر لاستنزاف الموارد والقدرات والإرادة السياسية. وأصبح كل تحرك عسكري يحمل في داخله مخاطر توسيع دائرة المواجهة، بما يجعل أي انتصار تكتيكي قابلًا للتحول إلى خسارة استراتيجية.
أما العالم العربي والإسلامي، فإنه يقف اليوم أمام لحظة فارقة قد تحدد موقعه في النظام الدولي لعقود طويلة. فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى في ميزان القوى العالمي كانت دائماً تترك آثاراً عميقة على المنطقة ، كما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما أعيد رسم الخرائط وتبدلت موازين النفوذ وظهرت كيانات واختفت أخرى. ومن ثم، فإن استمرار التعامل مع المتغيرات الحالية بعقلية رد الفعل قد يجعل دول المنطقة تدفع مرة أخرى ثمن صراع لم تكن هي صاحبة القرار فيه.
ومن هنا تبرز الحاجة ، وفق هذه الرؤية ، إلى مشروع تعاون عربي وإسلامي أكثر فاعلية، لا يقوم على الشعارات أو التحالفات المؤقتة، وإنما على رؤية استراتيجية طويلة المدى تعزز التكامل الاقتصادي والتكنولوجي والدفاعي، وتمنح دول المنطقة قدرة أكبر على حماية مصالحها وسط التنافس الدولي المحتدم. فالتاريخ لا يرحم الأمم التي تكتفي بدور المتفرج، ولا يمنح الفرص إلا لمن يمتلك مشروعاً واضحًا وإرادة سياسية قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص.
إن المرحلة الحالية قد لا تكون مجرد أزمة عابرة، بل منعطفاً تاريخيًا سيحدد شكل الشرق الأوسط لعقود وربما لقرون مقبلة. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح مسؤولية صناع القرار استثنائية، لأن الخيارات التي تُتخذ اليوم لن تؤثر في حاضر شعوبهم فقط، بل سترسم مستقبل أجيال كاملة. وبين من يرى في هذه المرحلة فرصة لإعادة بناء مكانة المنطقة في النظام العالمي، ومن يخشى أن تتحول إلى فصل جديد من فصول التراجع والتفكك، يبقى المؤكد أن المنطقة تقف أمام اختبار تاريخي لن يكون الخروج منه شبيهاً بما كان قبله. فالتحولات الكبرى لا تعيد إنتاج الماضي، وإنما تفتح أبواباً لعالم جديد، قد يكون أكثر استقراراً إذا أُحسن التعامل معه، أو أكثر اضطراباً إذا استمرت الحسابات الضيقة في إدارة لحظة هي الأخطر منذ عقود.



