سوريا تستحق فرصة أخيرة للنهوض .. فلا تعيدوها إلى ساحة الصراعات

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يظل الملف السوري واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً ، ليس فقط بسبب الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الحرب، وإنما أيضاً لأن أي خطأ في الحسابات السياسية أو الأمنية قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر بعد كل ما دفعه السوريون من أثمان باهظة. ومن هنا، فإن أكثر ما يثير القلق اليوم هو احتمال زج سوريا في الصراعات الإقليمية المتصاعدة، وتحويلها مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، وهو السيناريو الذي ينبغي على الجميع العمل لمنعه بكل الوسائل الممكنة.
لقد دفعت سوريا خلال السنوات الماضية فاتورة قاسية من الدم والدمار والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ولا تزال حتى اللحظة تخوض معركة أكثر صعوبة من الحرب نفسها، وهي معركة إعادة بناء الدولة واستعادة مؤسساتها وترميم نسيجها الوطني. ولذلك فإن إدخالها في مواجهة إقليمية جديدة لن يعني سوى تعطيل أي فرصة حقيقية للتعافي، بل قد يؤدي إلى إعادة فتح ملفات أُغلقت جزئيًا، وإحياء بؤر توتر كانت في طريقها إلى الاحتواء ، لتتحول سوريا مجدداً إلى مركز للاستقطاب الإقليمي والدولي، وهو ما ستكون انعكاساته كارثية على الشعب السوري أولًا، وعلى المنطقة بأسرها ثانياً.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح التجربة السورية في مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي أن يكون مصلحة سورية فقط، بل مصلحة عربية وإقليمية أيضاً. فاستقرار سوريا يمثل عنصراً أساسياً في استقرار المشرق العربي، وأي انتكاسة جديدة لن تبقى آثارها داخل الحدود السورية، وإنما ستمتد إلى دول الجوار، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق السوريين وحدهم، بل على الدول العربية والإسلامية كذلك ، التي ينبغي أن تنظر إلى دعم سوريا باعتباره استثماراً في أمن المنطقة ومستقبلها، وليس مجرد موقف سياسي عابر.
ولو كانت هناك نصيحة يمكن توجيهها إلى القيادة السورية الجديدة والرئيس أحمد الشرع ، فإنها تتمثل في ضرورة منح الأولوية المطلقة للداخل السوري، لأن معركة بناء الدولة أكثر أهمية من أي دور إقليمي يمكن التفكير فيه في هذه المرحلة. فما تزال هناك ملفات شديدة التعقيد تحتاج إلى حلول وطنية مستدامة، وفي مقدمتها تعزيز وحدة المجتمع، ومعالجة القضايا المرتبطة بالمكونات المختلفة، وفي مقدمتها الملف الكردي والملف الدرزي، إلى جانب استكمال بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة وقادرة على فرض القانون وتحقيق الاستقرار.
وفي المقابل، فإن الانخراط في ملفات دول الجوار، سواء في لبنان أو العراق أو غيرهما، قد يفتح أبواباً جديدة من الأزمات لا تحتاجها سوريا في هذه اللحظة التاريخية. فالسياسة الرشيدة لا تُبنى على ردود الفعل أو الحسابات العاطفية، وإنما على تقدير دقيق للمصالح الوطنية بعيدة المدى. وما تحتاجه سوريا اليوم هو ترسيخ الاستقرار الداخلي، لا توسيع دوائر الاشتباك، لأن الدول التي تخرج من الحروب لا تستعيد عافيتها عبر تصدير الأزمات، بل عبر معالجة جراحها الداخلية أولًا.
كما أن تجاوز خطاب الكراهية والانقسام يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي مشروع وطني. فسوريا كانت عبر تاريخها نموذجًا للتنوع الحضاري والثقافي والديني والعرقي، وهذا التنوع لم يكن يومًا مصدر ضعف، بل كان أحد أهم عناصر قوتها وهويتها التاريخية. والدول التي تنجح في تحويل تعدديتها إلى مصدر للإبداع والاستقرار تكون أكثر قدرة على النهوض من الدول التي تسمح للخلافات بأن تتحول إلى صراعات وجودية.
وعلى المستوى الشخصي، فإن محبتي لسوريا لا تنطلق من موقف سياسي، وإنما من قناعة بأن هذا البلد يستحق فرصة حقيقية للحياة بعد سنوات طويلة من المعاناة. سوريا ليست مجرد ساحة للصراعات، بل أرض حضارة وتاريخ وثقافات متعددة صنعت عبر القرون شخصية فريدة في المنطقة. ولذلك فإن نهضتها ستكون مكسبًا لكل العرب، واستقرارها سيشكل ركيزة لاستقرار الإقليم بأكمله.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل السوريين هي أن المستقبل لا يُبنى بالثأر ، ولا بتوسيع ساحات المواجهة ، وإنما بالحكمة، والمصالحة، وبناء الدولة، وترسيخ مفهوم المواطنة الذي يتسع للجميع دون استثناء. فالشام كانت وستبقى جديرة بالحياة، ويستحق شعبها العظيم، بكل مكوناته، أن يطوي صفحة الألم، وأن يبدأ مرحلة جديدة عنوانها التنمية والاستقرار والسلام.



