إتفاق السعودية وتركيا وباكستان.. تحالف للردع أم بوابة لحرب سنية شيعية تُعيد رسم الشرق الأوسط؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
بهدوء شديد ، ومن دون الإنجرار وراء الإحتفاء السياسي أو الحماس الإعلامي، أعتقد أن اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحتاج إلى قراءة مختلفة تماماً عن القراءة التقليدية التي تراها مجرد تحالف عسكري جديد في المنطقة.
في تقديري، الخطر الحقيقي ليس في الاتفاقية ذاتها، وإنما في السيناريوهات التي يمكن أن تنتج عنها إذا جرى توظيفها داخل صراعات المنطقة المشتعلة أصلاً ، خصوصا في ظل حالة الاستقطاب الحاد بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى ، وما يمكن أن يترتب على ذلك من إعادة تشكيل للخريطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
هناك سيناريو شديد الخطورة يجب ألا نتجاهله: أن تتحول هذه الاتفاقية، بشكل مباشر أو غير مباشر ، إلى أحد العوامل التي تدفع المنطقة نحو مواجهة سنية شيعية واسعة. وإذا حدث ذلك ، فإن المستفيد الأكبر لن يكون العرب ولا إيران ولا تركيا ولا باكستان، وإنما إسرائيل التي يمكن أن تجد نفسها أمام خصوم إقليميين يستنزفون بعضهم بعضا ، بينما تتراجع قدرتهم على التركيز في مواجهة المشروع الإسرائيلي في المنطقة.
الفكرة ببساطة أن الحرب الطائفية هي أكثر أنواع الحروب فائدة لمن يريد إضعاف المنطقة من الداخل. ففي الحرب التقليدية يكون العدو واضحا، أما في الحرب المذهبية فإن المجتمع نفسه يتحول إلى ساحة قتال، وتتحول الحدود بين الدول إلى حدود أقل أهمية من الانقسامات داخل المجتمعات.
والشرق الأوسط، للأسف، يمتلك كل المقومات التي تجعل هذا السيناريو كارثياً. العراق وسوريا ولبنان واليمن، بل وحتى دول أخرى في المنطقة، تضم تركيبات سكانية وسياسية ومذهبية معقدة، وبالتالي فإن انتقال الصراع من مواجهة بين دول إلى مواجهة سنية شيعية يمكن أن يفتح أبواباً يصعب إغلاقها لعقود.
ومن هنا فإن أي تحالف عسكري جديد يجب أن تتم قراءته ليس فقط من زاوية القوة التي يضيفها إلى أعضائه ، وإنما أيضا من زاوية المخاطر التي قد تترتب على دخوله في صراعات قائمة بالفعل.
هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، ويرى أن بعض القوى الدولية والإقليمية لطالما استفادت من تغذية الانقسام المذهبي، بل وتطرح بعض التحليلات فرضية أن صعود النظام الإيراني بعد الثورة عام 1979 كان جزءا من بيئة جيوسياسية استفادت منها إسرائيل والولايات المتحدة لاحقا.
وأنا هنا لا أتعامل مع هذه الفرضيات باعتبارها حقائق تاريخية محسومة، وإنما باعتبارها أسئلة سياسية مشروعة تستحق البحث: من استفاد فعليا من تحول إيران من دولة إقليمية قوية إلى مركز للصراع المذهبي؟ ومن استفاد من تحول الخلاف العربي الإيراني إلى صراع سني شيعي بدلا من أن يبقى صراعاً سياسياً يمكن احتواؤه؟
المحصلة النهائية واضحة: كلما ارتفع منسوب الصراع المذهبي، تراجع وزن القضية الفلسطينية ، وتراجعت الأولوية العربية، وتحولت طاقات المنطقة من مواجهة التوسع الإسرائيلي إلى مواجهة بعضها البعض.
وهنا يأتي السؤال الأهم : ماذا يعني إدخال تركيا وباكستان في معادلة أمنية واحدة مع السعودية؟
تركيا دولة كبيرة، تمتلك جيشا قوياً ، واقتصاداً مهما، وموقعاً استراتيجيا بالغ الحساسية، لكنها في الوقت نفسه عضو في حلف شمال الأطلسي ، ولديها حساباتها الخاصة مع أوروبا والولايات المتحدة وروسيا وإيران، كما أن لديها ملفات شديدة التعقيد مع اليونان وقبرص والأكراد.
وبالتالي فإن السؤال ليس: هل تستطيع تركيا مساعدة السعودية؟
بالتأكيد تستطيع ..
السؤال الحقيقي هو : إلى أي مدى تستطيع السعودية أن تلتزم بحرب لا تختار توقيتها ولا أسبابها إذا اندلعت نتيجة صراع تركي مع طرف آخر؟
والأمر نفسه ينطبق على باكستان.
باكستان دولة نووية، لكن أمنها القومي يرتبط بصورة مباشرة بصراعها التاريخي مع الهند، كما أن علاقتها الاستراتيجية مع الصين تمثل أحد أهم أعمدة سياستها الخارجية والأمنية.
لذلك فإن تصور أن إسلام آباد يمكن أن تتخلى بسهولة عن علاقتها مع بكين بسبب أي تحالف جديد هو تصور مبالغ فيه. الصين بالنسبة لباكستان ليست مجرد حليف سياسي، وإنما جزء أساسي من معادلة الردع في مواجهة الهند.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية في أي اتفاقية دفاع مشترك تقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة عضو هو اعتداء على الدول الأخرى.
ماذا سيحدث ، مثلا ، إذا اندلع نزاع عسكري كبير بين الهند وباكستان؟
هل ستدخل السعودية الحرب إلى جانب باكستان ضد دولة نووية مثل الهند؟
وإذا حدث ذلك ، ما هي تداعياته الاقتصادية والسياسية والأمنية على المملكة؟
وماذا عن الجالية الهندية الكبيرة التي تعمل في السعودية ودول الخليج؟ وكيف ستتعامل الرياض مع تداعيات أي مواجهة مفتوحة بين قوتين نوويتين؟
وماذا لو وقع صدام عسكري بين تركيا واليونان؟
هل تصبح السعودية ملزمة سياسياً وعسكرياً بالتورط في مواجهة مع دولة عضو في حلف شمال الأطلسي؟
هذه ليست أسئلة نظرية. هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح قبل توقيع أي اتفاقية دفاع مشترك ، لأن قوة التحالف لا تقاس فقط بعدد الدول التي تنضم إليه، وإنما أيضا بمدى وضوح الحالات التي يصبح فيها الالتزام العسكري إلزامياً، وحدود هذا الالتزام، ومن يقرر أن “الاعتداء” قد وقع، وما إذا كان الرد العسكري تلقائيا أم يخضع لقرار سياسي مستقل من كل دولة.
ومن هنا أعتقد أن المملكة بحاجة إلى أن تسأل نفسها سؤالا بالغ الأهمية: هل هذه الاتفاقية تزيد من قدرة السعودية على الردع، أم أنها قد تضعها في المستقبل أمام حروب لم تكن جزءا من حساباتها الأصلية؟
الأمر نفسه ينطبق على تركيا وباكستان.
تركيا لديها مصالح معقدة للغاية مع إيران. فإيران بالنسبة لأنقرة ليست مجرد خصم إقليمي، بل دولة جارة ترتبط معها ملفات أمنية واقتصادية وسياسية عديدة، وفي مقدمتها القضية الكردية.
تركيا لا تريد دولة كردية مستقلة على حدودها، وإيران أيضا لا تريد قيام دولة كردية مستقلة يمكن أن تؤثر في أمنها الداخلي. ولذلك فإن هناك، رغم الخلافات العميقة بين البلدين، مساحة من المصالح المشتركة تجعل الحرب المفتوحة بينهما أمرا بالغ التعقيد بالنسبة لأنقرة.
أما باكستان، فالمعادلة أكثر تعقيداً. فهي دولة ذات تركيبة مذهبية متنوعة، وأي انتقال لصراع إيراني سعودي إلى الأراضي الباكستانية يمكن أن يفتح جبهة داخلية شديدة الخطورة، خصوصا إذا تحولت المواجهة إلى صراع مذهبي.
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر خطورة في تقديري.
إذا تحولت المواجهة الإيرانية السعودية إلى حرب سنية شيعية، فإنها لن تبقى حربا بين دولتين. ستتحول إلى مشروع استنزاف شامل للمنطقة.
ويمكن أن تتحول دول مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن إلى ساحات مفتوحة للصراع، وقد تنتقل تداعياتها إلى باكستان وتركيا، وربما إلى مناطق أخرى.
وفي هذه الحالة لن يكون السؤال من انتصر عسكريا، لأن الجميع تقريبا سيخرج منهكاً.
وهذا بالضبط هو السيناريو الذي يجب أن تخشاه السعودية.
لأن المملكة قد تمتلك القوة والمال والتحالفات، لكنها في النهاية دولة وليست جزيرة معزولة عن محيطها. وأي حرب طويلة في المنطقة ستضرب الاقتصاد والطاقة والاستثمار والسياحة والتجارة، وستؤثر على أمن البحر الأحمر والخليج، وستضع المملكة أمام ضغوط أمنية هائلة.
كما أن إيران ، في المقابل ، ليست دولة يمكن إسقاطها بسهولة. لديها جغرافيا واسعة، وسكان كثيرون، وقدرات صاروخية وطائرات مسيرة وشبكة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة.
ولهذا فإن أي حرب مباشرة بين السعودية وإيران لن تكون نزهة عسكرية لأي طرف، بل قد تكون حرب استنزاف طويلة ومدمرة.
أما الحديث عن أن إيران أو الولايات المتحدة أو إسرائيل أنشأت هذه الجماعة أو تلك بهدف محدد، فيحتاج إلى قدر كبير من التوثيق قبل تحويله إلى حقيقة قطعية. لكن المؤكد سياسيا أن وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران، مثل الحوثيين في اليمن وبعض الفصائل المسلحة في العراق ولبنان، يمنح طهران أدوات ضغط تستطيع استخدامها في أي مواجهة إقليمية واسعة.
وهذا يجعل الحساب السعودي أكثر تعقيداً.
لأن المملكة في حال نشوب حرب شاملة لن تواجه إيران فقط، وإنما قد تواجه شبكة متعددة الجبهات تستطيع الضغط عليها من اليمن والعراق وربما مناطق أخرى.
والسؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً من كل ذلك هو : ماذا ستكسب المملكة فعليا من الدخول في حرب مذهبية؟
هل ستكسب الأمن؟
أم ستكسب مزيداً من الاستنزاف؟
هل ستكسب الاستقرار؟
أم ستتحول إلى رأس الحربة في حرب إقليمية لا تنتهي؟
وهل يمكن لأي زعامة سنية، مهما كانت مكانتها، أن تعوض الخسائر البشرية والاقتصادية والاستراتيجية التي يمكن أن تدفعها الشعوب إذا تحولت المنطقة إلى حرب مذهبية مفتوحة؟
في تقديري .. لا.
وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول فكرة “قيادة العالم السني” إلى هدف سياسي يجعل الدولة تدخل حربا لا تحتاج إليها، بينما تستطيع تحقيق نفوذها الإقليمي والدولي من خلال الاقتصاد والدبلوماسية والتحالفات المتوازنة والتنمية والقوة الناعمة.
القوة ليست دائماً في إطلاق النار.
أحيانا تكون القوة في أن تمتلك القدرة على خوض الحرب ، ثم تنجح في منعها.
وهنا أعود إلى مصر.
مصر ، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السكاني والعسكري والتاريخي، لا تستطيع أن تنظر إلى أي حرب مذهبية في المشرق العربي باعتبارها شأنا بعيدا عنها.
المشكلة ليست فقط في الأمن القومي المصري المباشر، وإنما أيضا في التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
هناك ملايين المصريين الذين يعملون في دول الخليج والمشرق، وأي اضطراب إقليمي واسع يمكن أن ينعكس على وظائفهم وتحويلاتهم المالية وأمنهم، فضلا عن تأثير الحرب على أسعار الطاقة والتجارة العالمية وحركة الملاحة والاستثمار.
لذلك فإن مصر، في تقديري، مطالبة منذ الآن بإجراء سيناريوهات متعددة للتعامل مع أي تصعيد إقليمي واسع، لا باعتبار أن الحرب حتمية، وإنما باعتبار أن الدول الجادة تستعد حتى لأسوأ الاحتمالات وهي تعمل سياسيا لمنع حدوثها.
ومن هنا أفهم ، بصورة مختلفة ، فكرة الجيش العربي الموحد التي طرحتها مصر في مراحل سابقة.
الفكرة في جوهرها ليست أن تدخل الدول العربية حربا ضد إيران، ولا أن يتحول العرب إلى طرف مذهبي في مواجهة طرف مذهبي آخر.
بل على العكس تماماً.
الفكرة الأكثر عقلانية هي امتلاك منظومة دفاع عربية مستقلة قادرة على حماية الدول العربية من أي تهديد، أيا كان مصدره، من دون أن تصبح المنطقة رهينة لتحالفات خارجية أو صراعات مذهبية.
العرب لا يحتاجون إلى جيش يحارب إيران لأنها شيعية، ولا جيش يحارب تركيا لأنها مختلفة سياسيا، ولا جيشا يدخل حربا بالوكالة عن الولايات المتحدة أو إسرائيل.
العرب يحتاجون إلى قوة تحمي حدودهم ومصالحهم وثرواتهم وشعوبهم.
وهنا تكمن المفارقة.
إذا كان الهدف من التحالف السعودي التركي الباكستاني هو الردع ومنع الحرب، فهو تطور يمكن النظر إليه بإيجابية.
أما إذا تحول إلى أداة لإعادة تشكيل المنطقة على أساس مذهبي، أو إلى بوابة لتوريط دول المنطقة في حروب لا تخدم مصالحها المباشرة، فإن الأمر يصبح شديد الخطورة.
المنطقة لا تحتاج إلى حرب سنية شيعية جديدة.
لقد دفع العراقي والسوري واللبناني واليمني والفلسطيني ثمنا هائلا من دمائهم بسبب صراعات لم تكن الشعوب هي التي قررت بدايتها.
والسؤال الحقيقي اليوم ليس : من سيحارب من؟
السؤال الأهم هو: من سيستفيد عندما يبدأ الجميع في القتال؟
إذا انهكت إيران، وانهكت السعودية، واستنزفت تركيا، ودخلت باكستان في أزمة مع الهند، وانشغلت الدول العربية بصراعاتها الداخلية، فمن الذي سيبقى واقفا؟
هنا يجب أن ننظر إلى الصورة الأكبر.
أي حرب إقليمية شاملة لن تكون مجرد مواجهة بين دول الشرق الأوسط، وإنما ستكون صراعا تتداخل فيه مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وإسرائيل وإيران وتركيا والدول العربية.
ومن الخطأ أن تنظر أي دولة إلى الاتفاقية باعتبارها مجرد ورقة دفاعية منفصلة عن هذه المعادلة الدولية.
في عالم اليوم، التحالفات ليست دائما صداقات، وأحيانا لا تكون الحرب بين طرفين فقط، بل تكون كل دولة تحاول استخدام تحالفاتها لتحقيق أهدافها الخاصة.
ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث هو أن تدخل دول المنطقة في تحالفات لا تكون هي صاحبة القرار الكامل في توقيت الحرب أو شكلها أو نهايتها.
المملكة العربية السعودية تمتلك أوراقا هائلة، اقتصاديا وسياسيا ودينيا واستراتيجيا، ومن مصلحتها أن تستخدم هذه الأوراق لبناء توازن إقليمي يمنع الحرب، لا أن تسمح لأي طرف بدفعها إلى حرب مذهبية مفتوحة.
وتركيا كذلك دولة كبرى لها مصالحها الخاصة، وباكستان دولة نووية لها حساباتها مع الهند والصين، وبالتالي فإن الجمع بين الدول الثلاث قد يصنع قوة ردع كبيرة، لكنه قد يصنع أيضا شبكة من الالتزامات المعقدة إذا لم تكن قواعد الاشتباك واضحة.
في النهاية ، لا أعتقد أن مستقبل المنطقة يجب أن يحدد من خلال سؤال : هل نحن سنة أم شيعة؟
هذا هو الفخ الأكبر.
السؤال الصحيح يجب أن يكون : من يحمي مصالح شعوب المنطقة؟
من يحافظ على وحدة الدول؟
من يمنع تقسيمها؟
من يحمي ثرواتها؟
ومن يمنع القوى الخارجية من تحويل شعوبها إلى وقود لصراعاتها؟
لأن الحرب المذهبية ، إذا اشتعلت، لن تحرق إيران وحدها، ولن تحرق السعودية وحدها، ولن تحرق العراق أو سوريا أو لبنان وحدها.
ستحرق المنطقة كلها.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول العربية اليوم هو أن تسمح بتحويل الخلافات السياسية والاستراتيجية مع إيران إلى حرب دينية بين الشعوب.
إيران دولة يمكن التفاوض معها، ويمكن ردعها، ويمكن احتواء نفوذها، ويمكن مواجهتها سياسياً وعسكرياً إذا فرضت الظروف ذلك.
لكن تحويل الصراع معها إلى صراع بين السنة والشيعة يعني ببساطة فتح أبواب جهنم على المنطقة بأكملها.
وفي النهاية، أتمنى أن تكون كل دولة عربية قد تعلمت من السنوات الماضية أن الحروب التي تبدأ بشعار الانتصار تنتهي غالباً بشعوب تدفع الثمن.
والقوة الحقيقية ليست أن تدخل الحرب أولاً ..
القوة الحقيقية أن تمنع الحرب عندما يكون ثمنها أكبر من أي انتصار يمكن تحقيقه.



