روسيا تختبر الناتو والصين تترقب وأمريكا أمام أخطر معركة إستراتيجية

✍️ يوحنا عزمي
في وسط الانشغال الدولي بالحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وما تفرضه من استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي على القوى الكبرى، يأتي الحديث عن تقارير استخباراتية أمريكية تحذر من احتمال توجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى اختبار صلابة حلف شمال الأطلسي، وهو سيناريو، إذا تحول من مجرد تقدير استخباراتي إلى تحرك فعلي، فقد يفتح الباب أمام واحدة من أخطر الأزمات التي عرفها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
الفكرة الأكثر خطورة هنا ليست بالضرورة أن روسيا ستذهب مباشرة إلى حرب شاملة مع حلف الناتو، وإنما أن موسكو قد تبحث عن نقطة ضعف داخل المنظومة الغربية لاختبار مدى استعداد الحلف لتحمل تكلفة المواجهة. وقد يبدأ ذلك من خلال تحركات محدودة ومدروسة، أو استهداف منشآت اقتصادية وبنى تحتية ذات أهمية استراتيجية في بولندا أو دول البلطيق، بهدف إيصال رسالة سياسية وعسكرية واضحة: استمرار الدعم المفتوح لأوكرانيا قد تكون له تكلفة مباشرة على الدول التي تقف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع روسيا.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع روسيا مهاجمة دولة من دول الناتو؟ وإنما : إلى أي مدى يستطيع الحلف الرد إذا تعرض لاختبار من هذا النوع؟ وهل ستتفق جميع دوله على طبيعة الرد وحجمه وتوقيته؟ لأن قوة الناتو تاريخيا لم تكن قائمة فقط على حجم ترسانته العسكرية، وإنما على قدرته على الحفاظ على وحدة قراره السياسي في لحظة الخطر.
وقد تكون موسكو، إذا اختارت هذا المسار، أكثر اهتماما بإحداث شرخ سياسي داخل الحلف من تحقيق مكسب عسكري مباشر. فالضربة المحدودة التي لا تؤدي إلى حرب شاملة، لكنها ترفع تكلفة المواجهة على دول معينة، يمكن أن تكون أكثر فائدة استراتيجيا من الدخول في حرب مفتوحة لا يمكن التحكم في نتائجها. الهدف في هذه الحالة سيكون اختبار الإرادة قبل اختبار القوة، ودفع بعض الحكومات والمجتمعات الأوروبية إلى طرح سؤال شديد الحساسية: إلى أي مدى نحن مستعدون لدفع الثمن من أجل استمرار الحرب في أوكرانيا؟
وهذه النقطة تحديدا تستحق التوقف عندها، لأن الحروب الكبرى لا تحسم دائما بالأسلحة فقط، وإنما بقدرة الدول والمجتمعات على تحمل تكلفتها لفترات طويلة. ولذلك فإن الضغط الاقتصادي والسياسي والنفسي على الجبهة الداخلية للدول الأوروبية قد يصبح، في بعض السيناريوهات، جزءا من المعركة نفسها.
والتاريخ الروسي يقدم دروسا لا يمكن تجاهلها. روسيا ليست دولة عادية عندما يتعلق الأمر بالحروب التي تراها تهديدا لأمنها القومي أو مجالها الحيوي. وقد أثبتت التجارب التاريخية أن محاولة فرض الإرادة على موسكو بالقوة، خصوصا عندما تشعر القيادة الروسية أن المعركة أصبحت مرتبطة ببقائها وأمنها الاستراتيجي، قد تتحول إلى صراع طويل ومكلف يتجاوز بكثير الحسابات الأولية لمن بدأه.
وهنا لا أتحدث عن أن روسيا لا يمكن هزيمتها عسكريا، فهذا تبسيط مخل للتاريخ والاستراتيجية ، وإنما عن خطورة بناء حسابات استراتيجية على افتراض أن روسيا ستنهار سريعا بمجرد الضغط عليها. هذه واحدة من أخطر المغالطات التي يمكن أن يقع فيها صانع القرار عندما يتعامل مع دولة تمتلك ترسانة نووية هائلة، وعمقا جغرافيا واسعا ، وقدرة على تعبئة مواردها البشرية والاقتصادية والعسكرية في حرب طويلة.
المشكلة الأكبر أن المشهد لم يعد محصورا في روسيا وأوكرانيا وأوروبا. الحرب في الشرق الأوسط أضافت متغيرا بالغ الأهمية إلى المعادلة ، لأن أي صراع طويل هناك يعني استنزافا إضافيا للمخزونات العسكرية الأمريكية، سواء في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي أو الذخائر والأسلحة الهجومية، فضلا عن استنزاف القدرات اللوجستية والاستخباراتية والانتشار العسكري الأمريكي حول العالم.
وهذا يضع الولايات المتحدة أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحافظ على قدرتها على دعم حلفائها في أوروبا والشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تحتفظ بالاحتياط الاستراتيجي الضروري للتعامل مع أي أزمة مفاجئة في المحيطين الهندي والهادئ؟
لأن السيناريو الأخطر على واشنطن لا يتمثل في وجود أزمة واحدة ، وإنما في تزامن عدة أزمات في وقت واحد.
تخيلوا أن تتصاعد المواجهة مع روسيا في أوروبا، بينما يستمر الصراع في الشرق الأوسط ويحتاج إلى كميات ضخمة من الأسلحة والقدرات الدفاعية، وفي الوقت نفسه تقرر الصين رفع مستوى الضغط العسكري في بحر الصين الجنوبي أو حول تايوان. عندها لن تكون الولايات المتحدة أمام حرب واحدة، وإنما أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة عدة جبهات استراتيجية في آن واحد.
وهنا تكمن أهمية التحرك الصيني. فبكين لا تحتاج بالضرورة إلى الدخول في حرب شاملة حتى تستفيد من انشغال واشنطن. يكفي أن ترفع مستوى الضغط العسكري والسياسي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وأن تجبر الولايات المتحدة على نقل جزء من قواتها ومواردها واهتمامها الاستراتيجي إلى هناك، حتى تصبح واشنطن أمام معضلة توزيع القوة على عدة مسارح في الوقت نفسه.
وهذا هو الكابوس الحقيقي بالنسبة لأي قوة عظمى: ليس أن تواجه خصما أقوى منها في جبهة واحدة، وإنما أن تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع عدة خصوم أو أزمات في مسارح مختلفة في الوقت ذاته.
ومن هنا أعتقد أن ما نشهده اليوم يتجاوز مجرد سلسلة من الحروب والأزمات المنفصلة. نحن أمام مرحلة انتقالية كبرى في النظام الدولي، حيث تتراجع تدريجيا قواعد النظام الذي حكم العلاقات الدولية خلال العقود الماضية، بينما لم تتشكل بعد بصورة نهائية قواعد النظام الجديد.
وهذه المرحلة الانتقالية هي أخطر مراحل التحول الدولي، لأنها تتميز بانخفاض مستوى اليقين وارتفاع مستوى سوء التقدير. القوى الكبرى تعيد حساباتها، والتحالفات تتغير، ومراكز القوة تتحرك، والدول المتوسطة والصغيرة تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف مصالحها ومواقعها قبل أن تجد نفسها عالقة في صراعات أكبر من قدرتها على التحكم فيها.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الدول في هذه المرحلة هو الارتجال.
السياسة الدولية في اللحظات الانتقالية الكبرى لا تحتمل القرارات الانفعالية ولا المغامرات غير المحسوبة ولا الرهان على أن الخصم لن يرد. فالخطأ في التموضع قد لا يؤدي فقط إلى خسارة جولة سياسية أو اقتصادية، وإنما قد يغير مستقبل دولة بأكملها لعقود.
العالم الذي عرفناه خلال العقود الماضية يتغير بالفعل، لكن السؤال ليس ما إذا كان النظام الدولي القديم سيسقط أم لا، وإنما كيف ستتم عملية الانتقال، ومن سيخرج منها أقوى، ومن سيجد نفسه خارج المعادلة الجديدة.
والتاريخ يعلمنا أن لحظات انتقال موازين القوى هي اللحظات التي ترتكب فيها الدول أكبر أخطائها، لأنها تتعامل مع عالم جديد بعقلية العالم القديم.
لذلك، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من العقلانية والحسابات الدقيقة، لا إلى الاستعراض أو المغامرة. لأن الخطأ في هذه المرحلة لن تكون تكلفته مجرد خسارة سياسية عابرة، بل قد يكون خطأ استراتيجيا لا يمكن إصلاحه بعد فوات الأوان.
تذكروا هذه النقطة جيدا: العالم دخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل واسعة لموازين القوة والتحالفات، ومن يخطئ في قراءة اتجاهات هذه المرحلة أو يسيء اختيار موقعه داخل النظام الدولي الجديد، قد يدفع ثمنا أكبر بكثير مما يتصور.



