مقالات

حين تصبح الحرب حتمية .. الشرق الأوسط أمام أخطر سيناريو في تاريخه الحديث

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

هناك لحظات في التاريخ لا يكون فيها السؤال المطروح هو : “هل ستندلع الحرب؟”، وإنما “متى ستبدأ؟”. ومن وجهة نظري ، فإن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة.

فالمؤشرات السياسية والعسكرية المتراكمة ، وحجم الحشود، وطبيعة الخطاب المتبادل بين الأطراف، كلها تدفع إلى الاعتقاد بأن المنطقة أصبحت على أعتاب حرب إقليمية واسعة، قد تكون الأكثر عنفاً وتشابكاً منذ عقود ، ولن تقتصر تداعياتها على أطراف الصراع المباشرين، بل ستمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله، وربما إلى الاقتصاد العالمي أيضاً.

إذا اندلعت المواجهة ، فمن المرجح أن يكون التركيز الأمريكي والإسرائيلي منصباً على توجيه ضربات كثيفة إلى المنشآت النووية الإيرانية ، إلى جانب مراكز إنتاج الطاقة وشبكات الكهرباء والمطارات والموانئ والجسور والطرق وغيرها من البنية التحتية الحيوية، باعتبارها أهدافاً استراتيجية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة على قدرة إيران العسكرية والاقتصادية. غير أن هذا السيناريو لا يمكن النظر إليه بمعزل عن الرد الإيراني المعلن، إذ تؤكد طهران منذ فترة أن أي استهداف لأراضيها أو منشآتها الحيوية سيقابله رد واسع النطاق يستهدف البنية التحتية داخل إسرائيل، بما في ذلك المنشآت الاقتصادية والمرافق الحيوية ومراكز الطاقة.

ولهذا جاءت التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، وخاصة على لسان وزير الدفاع، شديدة اللهجة، في محاولة واضحة لإيصال رسالة ردع إلى القيادة الإيرانية، مفادها أن استهداف الداخل الإسرائيلي سيقابل برد غير مسبوق. ويبدو أن تل أبيب تسعى بكل قوة إلى إبقاء المواجهة في إطار الصدام الأمريكي الإيراني المباشر، إدراكاً منها أن انتقال الحرب إلى عمقها الداخلي سيعني دخولها مرحلة مختلفة تماماً ، قد تتعرض خلالها لأضرار يصعب احتواؤها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو النفسي. لكن رغم هذه الرغبة الإسرائيلية، فإن فرص عزل نفسها عن دائرة النيران تبدو محدودة، لأن العقيدة الإيرانية في إدارة مثل هذه المواجهات تقوم على توسيع نطاق الرد، وعدم حصره في الطرف الذي نفذ الضربة فقط، بل إشراك كل من تعتبرهم طهران شركاء في العدوان، وفي مقدمتهم إسرائيل.

ومن هنا تتسع دائرة المخاطر لتشمل دولًا أخرى في المنطقة، وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، حيث تنتشر قواعد عسكرية أمريكية تمثل أهدافاً محتملة لأي رد إيراني. كما أن وجود أذرع عسكرية موالية لطهران في العراق واليمن يمنح إيران قدرة إضافية على تنفيذ عمليات متزامنة ضد تلك القواعد، وربما ضد المنشآت النفطية ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والموانئ والمطارات والجسور وشبكات النقل، وهي أهداف لا تقل أهمية عن الأهداف العسكرية ، لأن إصابتها قد تؤدي إلى شلل اقتصادي وتعطيل للحياة اليومية في عدد من دول المنطقة.

ولا يخفى أن هذا السيناريو يمثل أحد أكبر مصادر القلق بالنسبة للعواصم الخليجية ، ليس فقط بسبب حجم الخسائر المباشرة المحتملة، وإنما لأن أي استهداف واسع للبنية التحتية سيؤثر في استقرار الأسواق العالمية للطاقة، وسينعكس بصورة فورية على أسعار النفط وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية ، وهو ما يجعل آثار الحرب تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى مختلف دول العالم.

وتزداد الصورة تعقيداً إذا ما قررت جماعة الحوثي توسيع نطاق عملياتها في البحر الأحمر، عبر تكثيف الهجمات على السفن أو السعي إلى تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب وخليج عدن. فهذه المنطقة تمثل أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية، وأي اضطراب كبير فيها ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس ، بما يحمله ذلك من خسائر اقتصادية هائلة لمصر وللاقتصاد الدولي. وعند هذه النقطة، لن تبقى الجبهة اليمنية مجرد ساحة فرعية، بل قد تتحول إلى إحدى الجبهات الرئيسية في الحرب، بما يفرض على قوى إقليمية ودولية أخرى الانخراط بصورة أكبر في المواجهة.

وكلما اتسعت رقعة الاشتباكات ، زادت احتمالات دخول أطراف جديدة إلى الصراع، سواء بإرادتها أو بحكم الضرورة، وهو ما قد يدفع المنطقة إلى مرحلة يصبح فيها من الصعب السيطرة على مسار الأحداث أو احتواء تداعياتها. وعندئذ لن تكون الحرب مواجهة بين دولتين أو ثلاثة، وإنما شبكة معقدة من الصراعات المتداخلة، تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية، وتصبح احتمالات التصعيد أكبر بكثير من فرص التهدئة، بما يقود إلى وضع قد يقترب من مفهوم “حرب الكل ضد الكل”.

لهذا فإن أخطر ما في هذه الأزمة ليس فقط احتمال اندلاع الحرب، وإنما صعوبة وضع حدود لها إذا بدأت. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى نادراً ما تسير وفق الخطط الموضوعة لها، وأن الشرارة الأولى كثيراً ما تنتج سلسلة من ردود الفعل المتلاحقة التي يصعب التحكم فيها، خاصة في منطقة تمتلئ بالتوترات والتحالفات المتشابكة مثل الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه الأجواء، تبدو المنطقة وكأنها تعيش بالفعل مرحلة ما قبل الانفجار. فالاستعدادات العسكرية تتصاعد، والخطاب السياسي يزداد حدة، وقنوات التهدئة تضيق تدريجياً، الأمر الذي يجعل احتمال اندلاع المواجهة في أي لحظة احتمالًا قائماً لا يمكن تجاهله.

أما بالنسبة لمصر، فإن التعامل مع هذه المرحلة يجب أن يقوم على أعلى درجات اليقظة والاستعداد. فالمطلوب ليس الانجرار إلى مناخ القلق، وإنما الاستعداد الهادئ والمدروس لكافة السيناريوهات، مهما بلغت درجة تعقيدها. وتمتلك الدولة المصرية من عناصر القوة العسكرية والأمنية والدبلوماسية ما يؤهلها لحماية أمنها القومي والتعامل مع مختلف التحديات، إلى جانب خبرة سياسية تراكمت عبر عقود في إدارة الأزمات الإقليمية بحكمة واتزان، وهو ما يجعل القاهرة أكثر قدرة على قراءة المشهد، وحساب كلفة كل خطوة، والتحرك وفق منطق المصالح الوطنية بعيداً عن ردود الأفعال المتسرعة. وفي ظل مرحلة تبدو حبلى بالمتغيرات، ستظل المحافظة على تماسك الجبهة الداخلية، وتعزيز الجاهزية الوطنية، والتمسك بسياسة العقل والحسابات الدقيقة، هي الضمانة الحقيقية لعبور أي عاصفة قد تشهدها المنطقة خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى