إتفاق مُعلق وصراع نفوذ محتدم يعيد رسم توازنات الشرق الاوسط وسط ضغوط إسرائيلية وامريكية متبادلة

بقلم : يوحنا عزمي
يتضح ان ما يجري في الكواليس السياسية بين الولايات المتحدة وايران لم يعد مجرد جولة تفاوضية عادية يمكن تفسير تأجيلها باعتبارات فنية او لوجستية كما حاولت الادارة الامريكية ان توحي، بل يبدو ان المشهد اكثر تعقيداً بكثير مما يعلن على السطح. فالتأجيل المفاجئ للاجتماع الذي كان مقرراً عقده في سويسرا بين الوفدين الامريكي والايراني ، بالتزامن مع إصرار طهران على تضمين اي اتفاق نهائي حتى لو جاء في صيغة مذكرة تفاهم مؤقتة بندا واضحاً يلزم اسرائيل بوقف حربها على لبنان بشكل كامل والانسحاب من الأراضي التي احتلتها ، يكشف ان هناك صراعا مكتوما يدور داخل دوائر القرار الأمريكي نفسها ، وان الملف تجاوز حدود التفاوض النووي او التفاهمات الثنائية ليدخل منطقة اشتباك جيوسياسي اكثر حساسية تمس مستقبل النفوذ الاسرائيلي في المنطقة بالكامل.
التبرير الذي خرج به نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس والمتعلق بوجود صعوبات لوجستية حالت دون انعقاد اللقاء لا يبدو مقنعا بأي شكل ، خصوصا ان الحديث لم يتضمن تحديد موعد بديل واضح، وهو ما يعزز فرضية ان القرار لم يكن تقنيا بل سياسيا بامتياز.
فالرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي بدا خلال الاسابيع الماضية وكأنه يمضي في مسار تفاهمات جديدة مع ايران تتجاوز الصيغ التقليدية للصراع ، يواجه فيما يبدو ضغوطا هائلة من الداخل الامريكي ، وتحديداً من اللوبيات السياسية الداعمة لاسرائيل ومن اعضاء نافذين داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الذين ينظرون بعين القلق الى اي إتفاق قد يمنح طهران مساحة سياسية جديدة او يجبر اسرائيل على تقديم تنازلات استراتيجية في لبنان والمنطقة.
المعادلة هنا اكثر حساسية لان الولايات المتحدة تقف على اعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، وهي محطة انتخابية شديدة التأثير على مستقبل الادارة الامريكية وتوازناتها الداخلية. في مثل هذا التوقيت لا يملك الحزبان رفاهية خسارة قواعد الضغط التقليدية وعلى رأسها جماعات النفوذ المؤيدة لاسرائيل ، ولذلك يبدو ان هناك جهودا منظمة تجري الان لافشال الاتفاق او تعطيله على الاقل ، سواء عبر الضغط المباشر على ترامب او عبر التلويح باسقاط الاتفاق داخل الكونجرس اذا وصل اليه للتصويت.
ومن الواضح ان ما يجري خلف الابواب المغلقة داخل واشنطن اكبر بكثير مما يظهر في التصريحات الرسمية ، خاصة مع حالة الاستنفار التي تبدو اسرائيل وكأنها اعلنتها داخل مراكز القرار الامريكية لمحاولة الخروج من المأزق الذي وضعتها فيه التحركات الاخيرة للرئيس الامريكي.
اللافت في المشهد ان ترامب نفسه بدا للمرة الاولى وكأنه يوجه انتقادات مباشرة وحادة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ، متهما اياه بشكل غير مسبوق بانه لا يريد انهاء الحروب المشتعلة في المنطقة وبانه شخصية يصعب التفاهم معها بسبب نزعته الاحادية وتمسكه بقراراته الخاصة.
مثل هذا الخطاب لا يمكن اعتباره مجرد خلاف عابر بين حليفين، بل هو مؤشر على تصدع واضح في العلاقة الشخصية والسياسية بين الرجلين ، وهي نقطة شديدة الخطورة بالنسبة لنتنياهو الذي بنى جزءا كبيراً من قوته السياسية على علاقته الوثيقة بالادارة الامريكية وخاصة مع ترامب.
في الداخل الاسرائيلي تبدو الامور اكثر تعقيداً. فاقتراب انتخابات الكنيست يضع نتنياهو تحت ضغط غير مسبوق ، والمعارضة الاسرائيلية تترقب اي فرصة لتحميله مسؤولية ما يمكن اعتباره فشلا في تحقيق اهداف الحرب ضد ايران.
فالرؤية الاسرائيلية للصراع كانت تقوم على استكمال عملية كسر النفوذ الايراني بشكل كامل ، لكن القبول الامريكي بوقف الحرب وطرح لبنان ضمن صفقة سياسية شاملة مع طهران يعني بالنسبة لتل ابيب ان الحرب انتهت قبل ان تحقق اهدافها الحقيقية، وهو ما يضع نتنياهو في موقف سياسي بالغ الخطورة قد تكون نتائجه كارثية على مستقبله الشخصي ومستقبل حكومته.
كل ذلك يجعل احتمالات التصعيد مجددا قائمة بقوة. فمن غير المستبعد ان تنجح اسرائيل عبر نفوذها التقليدي داخل واشنطن في دفع ترامب الى العودة مرة اخرى لخيار المواجهة العسكرية مع ايران ، بما يؤدي عمليا الى اسقاط الاتفاق بالكامل قبل ان يرى النور. وهنا تكون اسرائيل قد حققت الهدف الذي تسعى اليه منذ البداية وهو منع اي تفاهم امريكي ايراني يمنح طهران مكاسب سياسية او يعيد رسم توازنات المنطقة بعيدا عن الرؤية الاسرائيلية.
جوهر الازمة في تقديري يعود الى نقطة شديدة الاهمية وهي ان إيران لم تعد تنظر الى الملف اللبناني باعتباره قضية منفصلة ، بل اصبحت تعتبره جزءا من امنها القومي ومن استراتيجيتها الاقليمية الكبرى، ولذلك اصرت على ربط مستقبل لبنان بأي تفاهم مع واشنطن. لكن الاكثر اثارة للدهشة في هذا المشهد هو الغياب العربي الكامل ، وكأن ما يحدث لا يمس الامن القومي العربي من قريب او بعيد. فالدول العربية اختارت موقع المتفرج بينما يجري تقرير مصير دولة عربية مثل لبنان في مفاوضات تدور بين واشنطن وطهران وتل ابيب، وتركت عمليا عبء المواجهة السياسية بالكامل على ايران ، في مشهد يطرح اسئلة قاسية حول مفهوم التضامن العربي وحدود الدور الاقليمي العربي في واحدة من اخطر لحظات الشرق الاوسط المعاصر.
الأيام القادمة لن تكون هادئة على الاطلاق ، فالمشهد مزدحم بالتوترات والتحالفات تتحرك تحت الطاولة ومراكز النفوذ تتصارع بشكل عنيف لاعادة صياغة موازين القوى. وفي منطقة لا تزال اسرائيل تمثل فيها الطرف الاكثر اندفاعا نحو استخدام القوة والعنف وفرض الوقائع بالقوة العسكرية، فان كل الاحتمالات تظل مفتوحة من انهيار الاتفاق الى انفجار مواجهة جديدة قد تعيد المنطقة كلها الى نقطة الصفر ، وما يبدو مؤكدا حتى الان ان الشرق الاوسط يدخل مرحلة شديدة الخطورة وان ما يجري اليوم ليس سوى مقدمة لتحولات اكبر بكثير مما يتوقعه الجميع.



