سبتة تشعل أوروبا.. لماذا وصف ترامب وإيلون ماسك ما يحدث بأنه “غزو”؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
اللافت في أزمة سبتة لم يكن فقط مشهد تدفق المهاجرين نحو المدينة الإسبانية، وإنما الطريقة التي تحولت بها الأزمة إلى مادة سياسية تستخدمها قوى اليمين في أوروبا والولايات المتحدة لتعزيز خطابها التقليدي حول الهجرة والأمن القومي. فما إن انتشرت صور الحشود على الحدود حتى بدأت موجة من التصريحات التي وصفت ما جرى بأنه “غزو”، وهو التعبير الذي تتبناه الأحزاب اليمينية المتشددة منذ سنوات كلما تصاعدت أزمة الهجرة.
وبحسب ما جرى تداوله، استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشهد ليحذر من أن الولايات المتحدة قد تواجه السيناريو نفسه إذا لم ينجح الجمهوريون في الاحتفاظ بالسلطة، معتبرا أن الهجرة غير الشرعية تمثل تهديدا مباشرا للدول، وأن ما يحدث في إسبانيا قد يتكرر بصورة أكبر داخل أمريكا. هذه اللغة ليست جديدة على ترامب، بل تتسق مع خطابه السياسي الذي جعل ملف الهجرة أحد أهم ركائز حملاته الانتخابية.
وفي فرنسا، واصلت مارين لوبان انتقادها الحاد للحكومة الإسبانية، معتبرة أن سياساتها شجعت الهجرة غير الشرعية، وأن التراخي في حماية الحدود الأوروبية لا يهدد إسبانيا وحدها، بل يهدد القارة بأكملها. أما في إيطاليا، فقد أعاد ماتيو سالفيني التأكيد على أن حماية الحدود يجب أن تكون أولوية مطلقة، بينما صدرت مواقف مشابهة من أحزاب اليمين في ألمانيا وفنلندا وجمهورية التشيك، وكلها تدور حول فكرة أن الهجرة الجماعية أصبحت تحديا وجوديا لأوروبا.
كما جرى تداول تصريحات منسوبة لرجل الأعمال إيلون ماسك وصف فيها ما حدث بأنه “غزو”، وهو الوصف الذي أثار جدلاً واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، لأنه يعكس حالة الاستقطاب الحادة حول ملف الهجرة، حيث يرى فريق أن ما يحدث يمثل أزمة إنسانية تستوجب حلولا متوازنة، بينما يراه فريق آخر تهديدا أمنيا وديموغرافيا يتطلب إجراءات استثنائية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن الخطاب السياسي في مثل هذه الأزمات يميل إلى تضخيم الأحداث لخدمة أهداف انتخابية أو أيديولوجية. فالهجرة غير الشرعية أصبحت الورقة الأقوى في يد الأحزاب الشعبوية واليمينية، وكل أزمة جديدة تمنحها فرصة لتأكيد روايتها بأن الحكومات الليبرالية فشلت في حماية الحدود، وأن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى تغيرات ديموغرافية واجتماعية عميقة داخل أوروبا.
لكن من المهم أيضا الفصل بين الوقائع المؤكدة والخطاب السياسي. فالكثير من التصريحات المتداولة بشأن إغلاق الحدود أو تعليق العمل باتفاقيات أوروبية أو تقديرات أعداد المهاجرين تحتاج إلى تأكيد من المصادر الرسمية، لأن أجواء الأزمات غالبا ما تكون بيئة خصبة لانتشار معلومات غير دقيقة أو مبالغ فيها، وهو ما يستدعي التعامل معها بحذر قبل البناء عليها.
ومع ذلك، فإن الرسالة السياسية التي خرجت من أزمة سبتة تبدو واضحة؛ فملف الهجرة عاد بقوة إلى صدارة المشهد الأوروبي والأمريكي، ومن المرجح أن يتحول خلال الفترة المقبلة إلى أحد أكثر الملفات تأثيرا في الانتخابات وصنع القرار. فكلما تصاعدت مشاهد الحدود، ازدادت قوة خطاب اليمين، وكلما عجزت الحكومات عن تقديم حلول فعالة، ارتفعت أسهم الأحزاب التي تطرح الأمن والسيطرة على الحدود باعتبارهما الأولوية المطلقة، وهو ما قد يعيد رسم الخريطة السياسية في عدد من الدول الأوروبية خلال السنوات المقبلة.



