مقالات

إغلاق هرمز .. هل تمارس إيران لعبة القوة أم تسير نحو الفخ الإسرائيلي؟

✍️ يوحنا عزمي

ما يحدث في المنطقة الآن لا يمكن قراءته بالسطحية التي يحاول البعض الترويج لها، ولا يمكن اختزاله في مشهد عاطفي سريع يقول إن إيران بمجرد إعلانها إغلاق مضيق هرمز قد فرضت هيبتها وأثبتت أنها لا تخشى أحدا أو أنها باتت اللاعب الأقوى القادر على كسر الإرادة الأمريكية والإسرائيلية. هذه القراءة، رغم جاذبيتها لدى قطاعات واسعة من المتابعين ، تظل قراءة بعيدة عن التعقيد الحقيقي للمشهد السياسي والاستراتيجي الذي يجري ترتيبه في الكواليس.

صحيح أن إيران تحاول دائما أن تقدم نفسها باعتبارها دولة تمتلك أدوات الردع والقادرة على تحريك أوراق ضغط إقليمية شديدة الحساسية ، ومضيق هرمز بالتأكيد واحد من أخطر هذه الأوراق باعتباره شريانا حيوياً للتجارة العالمية والطاقة الدولية ، لكن السؤال الحقيقي هنا ليس في إعلان التهديد ذاته ، وإنما في توقيت هذا الإعلان ، وما إذا كان الأمر يمثل خطوة فعلية نحو التصعيد أم مجرد رسالة سياسية محسوبة بعناية شديدة قبل جولة تفاوض حساسة مقررة في سويسرا تجمع مسؤولين إيرانيين وأمريكيين.

عندما ننظر إلى المشهد بعمق سنجد أن إيران لا تتحرك هنا من باب المواجهة العسكرية المباشرة ، بل تسعى إلى تعزيز موقعها التفاوضي عبر إظهار قدرتها على التصعيد وامتلاكها أوراقا مؤثرة يمكن استخدامها إذا اقتضت الضرورة. الهدف الأساسي يبدو واضحاً ، وهو محاولة دفع الولايات المتحدة إلى ممارسة مزيد من الضغط على إسرائيل ، خاصة بعد التطورات الأخيرة في جنوب لبنان، وكأن طهران تريد أن تقول للأمريكيين إن استمرار التصعيد الإسرائيلي قد يدفع المنطقة كلها إلى الانفجار.

لكن هل يعني ذلك أن واشنطن وتل أبيب قد استسلمتا بالفعل أمام إيران؟ الإجابة المنطقية تقول لا. الحديث عن استسلام أمريكي أو إسرائيلي في هذه اللحظة يبدو بعيدا تماماً عن الواقع، لأن مفهوم الاستسلام في السياسة الدولية يعني انهيارا حقيقيا في موازين القوى ، وهو أمر يصعب تصوره لصالح دولة تعاني بالفعل من ضغوط اقتصادية هائلة وبنية تحتية تعرضت خلال السنوات الماضية لضربات مؤثرة. ولو كانت إيران بالفعل وصلت إلى مرحلة فرض إرادتها الكاملة، فلماذا تستمر المفاوضات أساسا؟ ولماذا لا تفرض شروطها كاملة فيما يتعلق ببرنامجها النووي وترفض أي تنازلات؟

الأخطر في المشهد أن هناك احتمالا آخر لا ينتبه إليه كثيرون. ماذا لو كان الهدف الإسرائيلي الحقيقي من التصعيد العسكري الأخير في جنوب لبنان هو استفزاز إيران ودفعها نحو خطوة متسرعة مثل إغلاق المضيق؟ هنا تتغير الحسابات بالكامل. لأن إقدام إيران على تعطيل الملاحة الدولية قد ينظر إليه باعتباره انتهاكا مباشرا للتفاهمات القائمة مع الولايات المتحدة، ما يمنح إسرائيل بالضبط ما كانت تريده منذ البداية، وهو إفشال أي مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران.

في هذه الحالة لن تبدو إيران في صورة الطرف المعتدى عليه كما كان الوضع سابقا، بل قد تتحول فجأة إلى الطرف الذي انتهك الاتفاق وأشعل الأزمة ، وهو ما يمنح إسرائيل فرصة ذهبية لإعادة تشكيل الرواية الدولية بالكامل.

تخيل المشهد من منظور صانع القرار الإسرائيلي: إيران تقدم لك بنفسها مادة سياسية ضخمة تستطيع عبرها ضرب الثقة الدولية فيها ، وإحراج الإدارة الأمريكية أمام الداخل الأمريكي، وإظهار طهران باعتبارها طرفا غير ملتزم بأي تفاهمات أو تعهدات.

والنتيجة الطبيعية لذلك ستكون تحول الموقف الغربي تدريجيا. الدول الأوروبية التي كانت متحفظة على خيار المواجهة العسكرية قد تجد نفسها الآن أقرب لدعم تحالف دولي بحجة حماية حرية الملاحة الدولية. بريطانيا وفرنسا سبق وأن أبدتا اهتماما كبيرا بمسألة تأمين المضائق البحرية ، وأي تصعيد إيراني قد يتحول سريعا إلى مبرر قانوني وسياسي يسمح بتشكيل قوة دولية جديدة تتدخل عسكريا لكسر هذا الإغلاق.

هنا ندخل أخطر مراحل السيناريو ، لأن الأمر لن يعود مجرد مواجهة محدودة بين الولايات المتحدة وإيران ، بل قد يتحول إلى صدام دولي أوسع، وربما إلى تحالف عسكري غربي كامل يجد في الأزمة الحالية فرصة لتصفية الحسابات مع النظام الإيراني بشكل مباشر. وإذا وصلت الأمور إلى هذه المرحلة فلن يكون الحديث فقط عن أزمة مؤقتة ، بل عن إعادة رسم كاملة لمعادلات القوة في الشرق الأوسط.

الأزمة أيضاً لا تتوقف عند الجانب العسكري فقط، فاقتصاد المنطقة بالكامل سيكون معرضا لهزة عنيفة. تعطيل حركة الطاقة العالمية يعني اضطرابات في الأسواق، وارتفاعات ضخمة في أسعار النفط، وتوترا أمنيا واسعا، وبيئة إقليمية مرشحة للانفجار في توقيت بالغ الحساسية. وفي النهاية قد تكون إسرائيل هي المستفيد الأكبر من كل هذه الفوضى ، لأنها تكون قد نجحت في نقل إيران من موقع الضحية إلى موقع المتهم، وأعادت توجيه الغضب الدولي بعيدا عنها.

المشكلة الكبرى أن قطاعا واسعا من المتابعين لا يقرأ المشهد إلا عبر الشعارات والانفعالات، فيتصور أن أي تحرك إيراني ضد الغرب هو انتصار تلقائي، بينما السياسة الدولية أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. ما يبدو في ظاهره استعراضا للقوة قد يكون في جوهره فخاً استراتيجياً يجري نصبه بعناية شديدة، والخطأ في الحسابات هنا قد لا يكلف إيران وحدها، بل قد يدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي.

السؤال الأهم الذي يبقى مفتوحا الآن : هل تستطيع إيران بالفعل فرض إرادتها على إسرائيل وإجبارها على تغيير حساباتها في لبنان؟ أم أن كل ما يحدث مجرد إعادة ترتيب للمشهد تمهيدا لجولة أكبر من الصراع الإقليمي والدولي؟ الإجابة لم تتضح بعد ، لكن المؤكد أن ما يجري الآن لا يجب قراءته بالعاطفة أو وفق الشعارات، بل وفق ميزان المصالح، وحسابات القوى الكبرى، وفهم دقيق لما يدور خلف الكواليس بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي يحاول في كثير من الأحيان صناعة أوهام سياسية قد تصطدم لاحقاً بواقع مختلف تماماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى