رسالة إلى مجلة هاڤن

الشيماء أحمد عبد اللاه
ليس كلُّ بيتٍ يُبنى من حجر، فبعض البيوت تُبنى من كلمة، وبعض الكلمات تصنع عمرًا كاملًا، وهناك أماكن لا تمنحنا فرصةً فحسب، بل تمنحنا جزءًا من أعمارنا، وهاڤن كانت بالنسبة إليَّ العمر الذي كبرت فيه روحي قبل قلمي.
إلى هاڤن، إلى المكان الذي لا أستطيع أن أذكر اسمه دون أن يمر أمام عيني شريطٌ طويل من الوجوه، والليالي، والانتظار، والفرح، والدموع، أكتب إليكِ اليوم، لا بصفتي رئيسة قسم، ولا بصفتي كاتبة، بل بصفتي تلك الفتاة التي جاءت منذ ست سنوات تحمل قلبًا أكبر من خبرتها، وحلمًا أكبر من قدرتها، وترتعش خوفًا كلما وضعت حرفًا أمام الناس، كنت أخشى أن يخذلني قلمي، وأرتبك كلما رأيت اسمي بين الكُتّاب، وأتساءل: هل أستحق أن أكون هنا؟ ولم أكن أدري أنّ هذا المكان سيأخذ بيدي برفق، حتى يجعلني أؤمن بنفسي قبل أن أطلب من الآخرين أن يؤمنوا بي.
ما زلت أذكر تلك الفتاة جيدًا، كانت تنتظر نشر مقالها وكأنها تنتظر ميلادها، وتقرأ الملاحظات مرةً بعد مرة، لا لتدافع عن نفسها، بل لتتعلم كيف تكون أفضل، كانت تمزق صفحاتها أحيانًا، وتعيد كتابتها أحيانًا أخرى، ثم تعود من جديد، وكأن التعب لم يزرها يومًا.
بكيت هنا أكثر مما يظن الجميع، بكيت لأن مقالًا لم يكن كما حلمت، وبكيت لأن نقدًا لامس موضعًا كنت أظنه قوة، وبكيت لأنني شعرت أحيانًا أن الطريق أطول مما أحتمل، لكنني في كل مرة كنت أخرج من دموعي أكثر صلابة.
تعلمت أن النقد الصادق ليس قسوة، بل يدٌ تمتد لتنتشلنا من الوقوف في المكان نفسه، وأن السقوط ليس عيبًا، وإنما العيب أن نخاف من الوقوف مرة أخرى.
ثم بدأت الرحلة تصنعني بهدوء، لم أكبر وحدي، بل كبرت بين قلوب آمنت بي، وأيدٍ امتدت إليَّ دون مقابل، وأشخاص رأوا فيَّ ما لم أكن أراه في نفسي، ومع الأيام انتقلت من كاتبة مبتدئة، إلى كاتبة وجدت لنفسها مكانًا، ثم نائبًا لرئيس القسم، حتى تشرفت بأن أحمل مسؤولية رئاسة القسم، ولم أشعر يومًا أنني أرتقي منصبًا، بقدر ما كنت أرتقي إنسانةً تعرف أن كل نجاحٍ حقيقي يبدأ بالتواضع، ويستمر بالاجتهاد، ويحيا بالحب.
وأحيانًا أقف في صمت وأسأل نفسي: متى مر كل هذا؟ متى أصبحت أنا التي تُراجع النصوص بعدما كنت أنتظر من يراجع نصي؟ متى أصبحت أنا التي تزرع الطمأنينة في قلب كاتب جديد، بعدما كنت أبحث عن كلمة تطمئنني؟ عندها فقط أدرك أن الزمن لم يمر، بل مرَّ بي، وترك داخلي إنسانةً أخرى.
واليوم، حين أنظر إلى الخلف، لا أرى المقالات التي كتبتها، بل أرى العمر الذي تركته بين سطورها، أرى خوف البدايات، ولهفة الانتظار، ودموع الإخفاق، وفرحة النجاح، ووجوهًا أصبحت جزءًا من ذاكرتي، أدرك أن أعظم ما ربحته هنا لم يكن لقبًا، ولا منصبًا، بل قلوبًا أحببتها، وأسرةً احتضنتني، ونسخةً مني لم تكن لتولد لولا هاڤن.
شكرًا لكل يدٍ أمسكت بي حين تعبت، ولكل كلمةٍ صححت اعوجاج حرفي، ولكل نقدٍ علمني، ولكل تشجيعٍ أنقذني من اليأس، شكرًا لكل من مر في رحلتي وترك فيها أثرًا طيبًا، فكل واحد منكم يعيش اليوم في حرفٍ من حروفي.
يا هاڤن، لم تكوني مجرد مجلة، ولو كنتِ كذلك لما بقيت ست سنوات، كنتِ بيتًا كلما ضاقت بي الحياة عدت إليه، ونافذةً أطل منها على النسخة التي كنت أحلم أن أصبحها، وإن كان لكل إنسان مكانٌ شهد ولادته الأولى، فأنتِ المكان الذي شهد ميلادي الثاني.
وسيأتي يوم ربما أترك فيه هذا المقعد، وربما تتغير الوجوه، وتتبدل الأسماء، وتمضي السنوات أسرع مما نتخيل، لكن هناك أشياء لا يغادرها الزمن أبدًا، سيبقى أول مقال، وأول خوف، وأول دمعة، وأول كلمة تشجيع، وأول شعور بأنني وجدت مكاني، محفوظةً في قلبي ما بقي فيه نبض.
لهذا، إن سألني أحد يومًا: ماذا كانت هاڤن بالنسبة لكِ؟ فلن أقول إنها مجلة، ولا إنها محطة، ولا حتى إنها تجربة، سأبتسم فقط، وأقول: كانت فصلًا كاملًا من عمري، ولو عاد بي الزمن ألف مرة، لاخترت أن أعيشه من جديد، بكل ما فيه من تعب، وفرح، ودموع، لأن بعض الأماكن لا نسكنها نحن، بل هي التي تسكننا إلى الأبد.
شكرًا هاڤن…



