ابداعات

آخر صهلة”

 

لجين سامح

 

 

“فلربما تعب الجواد، وتلك آخر صهلة..”

 

عزيزتي.

 أكتب إليك رسالتي وأنا أشعر بالأسى واليأس حتى النخاع، أنت تعلمين .. كيف يقتل الأمل إنسانًا، حين يرى نفسه على الجانب الآخر من الحياة

 

الجانب الآخر من كل ما حلم به، من كل ما بذل من أجله سنين عمره..

 

انتهت مباراة كرة القدم للتو، وانتهيت أنا معها.. لوهلة تذكرت، كيف كنت أعمل أربعة عشر ساعة باليوم على أمل لقاءك..

على أمل أن يكون لنا بيت صغير، تركض فيه أقدام صغيرة، ويطرق فيه صوت كعبك العالي..

لكن صوت أباك ما زال يرن في أذني :” أنت جيد يا بني، مجتهد.. ولا تشوبك شائبة، لكنك لست مؤهلًا للزواج بعد!.. إن تزوجت الآن ستغرق، ستهلك، سيقتتم غدك من قلة الحيلة.”

وكنت أعلم يقينًا أنه على حق، فبذلت جهدًا أكبر، وفي الأسبوع الذي تلاه .. سُرحت من شركتي التي أفلست بعد التضخم الاقتصادي..

 

تذكرت كيف عاندتني الحياة، حين حاولت الهجرة للخارج، حين قُبلت في عمل في الخارج، وفي اليوم الذي تنفست فيه أخيرًا وأنا في المطار.. ماتت أمي

 

تذكرت، كيف كنت صديقًا جيدًا، أنصت للجميع، وأقف في وجه العالم إن مس أصدقائي أذي، وحين تعرضت لحادث السيارة.. لم يكن هناك غيركِ

 

تذكرت، عامي الثاني في الجامعة، ومحاولاتي على المسرح، وقبولي لأول مرة في مسلسل صيفي.. لكنني لم أكن كافيًا للدور، فأنا لست ابن المخرج

 

عامي الرابع في الجامعة، حين حصلت على امتياز مع مرتبة الشرف، لكنني كنت المركز الثاني بفارق نصف درجة..

 

تذكرت كل تلك اللحظات التي ولد فيها اليأس من أملي، التي.. طُعن قلبي فيها بعد أن قدمته قربانًا للأحلام..

 

العالم.. ليس عادلًا، ابن مدير المدرسة هو الأول دائمًا، الغني ينجو من عقوبته وإن قتل عمدًا، والفتاة الجميلة تقبل في العمل وإن كانت الأقل منها حُسنًا كفؤًا عنها..

دائمًا، هناك خسارات فادحة..

ليس لأنني خسرت

بل لأنني لم أكن بقدر خصمي، رجل أبيض، غني، وُلد في العالم الأول..

 

بل كنت شابًا في دولة عربية، تحت سقف عربي.. وآكل خبزًا عربيًا..

 

إذن هل العروبة خطيئة يا عزيزتي؟

هل.. يجب أن أولد في الطرف الآخر من البحر الأبيض المتوسط ليكون لي حق ؟

هل.. لو حظيت بكِ انتهى العالم؟ لو استيقظت يومًا وأنا معي قوت يومي، وأنا.. أخطط للغد دون أن يشيب رأسي، وأنا.. أشرب قهوتي على مساحة خضراء وهواء نظيف لانتهى العالم؟

 

في الحقيقة نعم، لو أن كل من هم مثلي أخذو حقهم، أبدعو وقُدّرو، عملو وكسبو.. لأصبحنا غصة في حلوقهم..

 

لأن هذا العالم بكل تلك المعاني المبطنة للإنسانية، لا يعرف شيئًا عنها

 

ولأنني أؤمن بالقدر يا عزيزتي، لم آسى على كل باب أغلق في وجهي، لكن الظلم… مرير في حلقي، لم تكن مجرد مباراة ما ذكرتني، بل حكاية الملايين من أمثالي، إن كانوا في البر أو البحر..

صدت الأبواب في وجوههم عمدًا، لأن لا يكون لهم حق السعادة، حق الأمل.

 

السابع من يوليو.

الساعة التاسعة والنصف مساءًا بتوقيت القاهرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى