“خمس مراحل للحب”

لجين سامح
المرحلة الأولى: الالتفات.
المرة الأولى التي وجدتك فيها، وأنت مارة أمام مقهاي المفضل، رجفة يدي، وأنا أفتح الباب، وعيني المعلقتان في الخلف حيث كنتِ،
لمحت.. شعرك الفحمي، الذي ينسدل على كتفيكِ، بنطالك الأبيض، وكنزتك الزرقاء..وحين استجمعت قوتي وهممت باعتراض طريقك، كنتِ اختفيتِ عن ناظري..
أذكر أنني قطعت خمس إشارات، وثلاث شوارع، وعشرة باعة بحثًا عنكِ ولم أجدك في النهاية
المرحلة الثانية: العقل
غرقت في عقلي طوال شهر كامل، تمرين على ذاكرتي، فتتسلل رائحتكِ إلى أنفي، أذهب كل يوم إلى ذات المقهى، في نفس الساعة، وأنتظر أمام الباب..
ما احتمال أن يمر شخص غريب بشارع لن يمر به ثانية أبدًا؟
أضع الاحتمالات..
مترو الأنفاق، سيارات الأجرة، المواصلات العامة، بحثت عنك فيها جميعًا كل يوم..
في المرآة، وكوب القهوة، وسطور الكتب التي أقرأها..
أحيانًا كنت أقول لنفسي ما أنتِ إلا سراب، وهم اختلقته ذاكرتي الحمقاء، أمل زائف اخترعته حاجتي للحب.
المرحلة الثالثة: اليأس.
بعد مرور ما يقرب من أربعين يومًا آمنت، بأنك لست لي، لم تعودي هنا، أنت غريبة مارة بالطريق وحسب، لم أعد أفتش عنك بين وجوه المارة، لم أزر المقهى لأكثر من ثلاثة أيام، أجلس على النهر وأشاهد الغروب، أتناول القهوة، وأحدث الأصدقاء، وأغرق في النوم لأكثر من منتصف يومي، لم يعلم أحد من من حولي أنني كنت أنتظر هراءًا أن يحدث، أن تكون لي امرأة رأيتها مرة واحدة في شارع أمام المقهى.
المرحلة الرابعة: الأمل.
صباح يوم غائم، كنت متجهًا إلى عملي، لم تكن لدي رغبة في فعل شيء، سوى الجلوس على مكتبي واحتساء القهوة فحسب.. لكن الجلبة التي أتت من خارج مكتبي سلبتني ذلك الهدوء، صوت ضحكات، وهمهمات ومزاح.
جررت نفسي إلى الخارج عنوة، ووجدتكِ.. في منتصف الغرفة، يجتمع الزملاء حولك، تلقين النكات، وتوزعين أكواب القهوة..
وتساءلت هل هي أنت حقًا؟
أم أن الملل يتلاعب بعقلي؟
تسمرت مكاني ورأسي يعج بالأسئلة، ولا أعلم كيف لعينين بهذا الصغر أن تقع علي، فتجعل جسدي يرتجف، قدمتِ نفسكِ إلي ” ليال“
المتدربة الجديدة، ليال.. صاحبة الابتسامة العذبة، والشعر المنسدل، ليال، التي أنتظرت مرورها بشوق أربعين ليلة ..
لم أستطع النطق، فقط وزعت الابتسامات، مددت يدي لأصافحكِ، ثم اختفيت داخل مكتبي، وعيني عالقتان عليكِ ..
وقلبي.. ينتفض، وحين عدت إلى المنزل ذلك اليوم، شعرت بالحياة تضج فيّ
شعرت بأنني لم أحيا في هذه الحياة قبلًا..
كل ذلك من أجل ابتسامة صغيرة فحسب!
المرحلة الخامسة: الخيبة
بعد أن نسجت أحلامي الخيالية ليلة أمس، بعد أن استيقظت قبل موعدي المعتاد، وشربت قهوتي على عجالة، وركضت في الشارع لأحضر لكِ القهوة، وعزمت على أنني هذه المرة دون كل المرات سابقًا سأكون مندفعًا في حبي، سأمكث جوارك، سأبحث عنك، سأقابلك كل يوم، وسأفعل أي شيء من أجل أن أرى ابتسامتكِ، وفي خضم خيالي.. وابتسامتي التي تشق وجهي، وأمام مبنى العمل..
خرجتِ أنتِ من السيارة، بعد أن طبعتي قبلة على وجنتي الرجل جواركِ، لم أشعر بأي شيء في تلك اللحظة، وكأن الزمن توقف، لم أشعر بالقهوة وهي تحرق قدمي، بالرجل الذي معكِ وهو يسألني هل أنت بخير، بالمارة الذين نظروا إلي شذرًا، وبقدمي التي تركت كل شيء.. وركضت بلا اتجاه، ركضت عبر الطرق والإشارات، ووقفت عند النهر.. لم أشعر بي سوى وأنا أصرخ وألعن العالم..
لقد لاحظت عينيك، وابتسامتك، حتى لون طلاء أظافرك، ولم ألحظ الخاتم في إصبعكِ، لقد حلمت بك.. وقعت في شباكك من النظرة الأولى
في أحلامي كنت زوجتي، ذهبنا إلى فينيسا معًا، وشربنا القهوة في أمريكا، وتسلقنا الجبال في سويسرا..
في أحلامي كانت كل الاتجاهات عينيكِ، في أحلامي كما لم يحدث قط طوال سنين عمري الثلاثون، كنت أنت دون امرأة أخرى، كنت أنت وحسب، وباقي الحياة هي مرتبة ثانية.



