ابداعات

حين غادر الصقر

وائل الهاشمي

 

بعض الرجال يولدون ثم يعيشون.

وبعضهم يولدون، فتقرر الأقدار أن تجعل حياتهم كتابًا كاملًا.

في صباحٍ هادئ من عام 1928، لم تهتز الأرض، ولم تتغير خرائط العالم، ولم تتصدر الصحف خبر ميلاد طفل في قرية صغيرة تدعى كفر المصيلحة. 

مر اليوم عاديًا لكن التاريخ كان قد كتب أول سطر، ثم أغلق الدفتر، منتظرًا عقودًا حتى يكشف بقية الحكاية.

 

مرت الأعوام، كبر الطفل، لكن أحلامه كانت تكبر أسرع منه. 

ترك الحقول إلى ساحات الكلية الحربية، ثم ترك الأرض كلها ليحلق في السماء. 

وهناك بين الغيوم، تعلم أن الارتفاع لا يمنح، بل ينتزع، وأن ثانية واحدة من التردد قد تكلف طيارًا حياته.

ذلك الطفل كان محمد حسني مبارك.

 

منذ خطوته الأولى، لم يكن يسير إلى الأمام؛ بل كان يسير نحو موعد كتبه القدر قبل أن يكتبه البشر.

كل طريق أغلق خلفه، فتح له طريقًا أكبر.

ترك الحقول؛ فاحتضنته المدرجات العسكرية.

ترك الأرض؛ فاحتضنته السماء.

ترك قمرة الطائرة؛ فاحتضنه قصر الرئاسة.

وكأن حياته لم تكن انتقالًا بين الأماكن، بل انتقالًا بين أقدارٍ لا يملك حق رفضها.

 

ثم جاء أكتوبر من عام 1973

فارتجفت السماء قبل الأرض، ودوى هدير الطائرات، ووقف التاريخ للحظة، يدون أسماء رجال كتبوا صفحة لا تزال تقرأ حتى اليوم. 

وكان مبارك، قائدًا للقوات الجوية آنذاك، واحدًا من الذين حملوا مسؤولية تلك المرحلة ضمن قيادة عسكرية خاضت الحرب بكل أفرعها.

ولأن التاريخ يعشق مفاجآته. 

فتح له باب السياسة، ثم أغلقه خلفه. 

أصبح نائبًا للرئيس، قبل أن يتحول عرض عسكري في دقائق إلى لحظة غيرت مصير دولة بأكملها.

 سقط الرئيس، ونهض القدر، ووضع على كتفيه جمهورية بأكملها.

 

ومنذ تلك اللحظة لم يعد الزمن يقاس بالساعات، بل بالقرارات.

 ثلاثون عامًا مرت، رقم لا يقاس بالسنوات وحدها، بل بالأحداث التي احتواها. 

شهدت مصر خلالها لحظات استقرار، ومشروعات، وتحولات، كما شهدت تحديات اقتصادية وسياسية، ونقاشًا متواصلًا حول الحريات والإصلاح. 

كانت سنوات صنعت أنصارًا يرون فيه حارسًا للدولة، ومعارضين يرون أن التغيير كان ضرورة.

ثلاثون عامًا كانت كافية ليكتب كل مصري روايته الخاصة عن الرجل.

 

لكن الزمن لا يعقد صداقات.

ففي يناير 2011، خرجت الجموع إلى الميادين، وقف الرئيس يخاطب شعبًا لم يعد يسمع الكلمات كما كان يسمعها من قبل.

ولأول مرة، لم تكن الطائرات هي التي تحلق فوق رأسه، بل الهتافات.

ولم تكن الأوامر هي الأعلى صوتًا، بل أصوات الشوارع.

وفي لحظةٍ واحدة، خرج من القصر الذي دخله قبل ثلاثة عقود، ليكتشف الحقيقة التي يخفيها التاريخ عن كل من يجلس على العرش.

أن الطريق إلى القمة طويل، أما الطريق منها فلا يحتاج إلا إلى لحظة.

 

ثم جاءت المفارقة الأخيرة. 

الرجل الذي كانت تفتح له أبواب العواصم، صار يدخل قاعة المحكمة. 

والرجل الذي كانت الكاميرات تنتظره على سلالم الطائرات، أصبحت تنتظره على أبواب المستشفيات. كأن الزمن كان يعيد ترتيب المشهد، ليذكر الجميع أن السلطة ضيف، وليست صاحب الدار.

 

وفي الخامس والعشرين من فبراير عام 2020، أسدل الستار على الرحلة.

 رحل محمد حسني مبارك بعد صراع مع المرض، وأُقيمت له جنازة عسكرية رسمية، حضرها مسؤولون وقادة عسكريون، في مشهد أعاد إلى الأذهان بداياته ضابطًا وطيارًا قبل أن يصبح رئيسًا.

 

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من هذه الرحلة، أن الأوطان أكبر من حكامها، وأن الشعوب تبقى بينما تتعاقب الأجيال على قيادة الدولة. 

فالرؤساء يأتون ويرحلون، أما مصر، فقد كانت قبلهم، وستظل بعدهم، تمضي في طريقها، تحمل تاريخها، وتكتب مستقبلها بأبنائها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى