مقالات

من هرمز إلى اليمن .. كيف يقترب الشرق الأوسط من سيناريو الاستنزاف الطويل؟

بقلم : يوحنا عزمي

دخول الساحة اليمنية على خط التصعيد لم يكن تطوراً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة منطقية لمسار إقليمي يتجه منذ فترة نحو توسيع رقعة الاشتباك. فما يجري اليوم لا يمكن قراءته باعتباره أزمة يمنية منفصلة ، ولا باعتباره مجرد امتداد للحرب بين إيران وخصومها ، وإنما هو جزء من سلسلة مترابطة من الأزمات التي أصبحت تتغذى على بعضها البعض ، بحيث يؤدي اشتعال جبهة إلى إشعال أخرى ، ويصبح احتواء أي أزمة أكثر صعوبة مع مرور الوقت. وهذا هو أخطر ما في المشهد الحالي؛ فالحروب لا تبدأ دائماً بحسابات الخروج منها، بل كثيراً ما تتحول إلى صراعات مفتوحة تتجاوز الأهداف التي انطلقت من أجلها، كما حدث في الحرب الروسية الأوكرانية التي انتقلت من توقعات بحسم سريع إلى استنزاف طويل غيّر موازين السياسة والاقتصاد والأمن في العالم.

ومن هذا المنطلق، فإن إدخال اليمن في دائرة المواجهة لا يضيف مجرد ساحة قتال جديدة، بل يضيف عنصراً جديداً من التعقيد الاستراتيجي، لأن موقع اليمن الجغرافي يمنحه قدرة استثنائية على التأثير في أمن البحر الأحمر وخطوط الملاحة الدولية ، كما يضع دول الخليج في مواجهة مباشرة مع تداعيات حرب لم تكن صاحبة قرار إطلاقها ، ولم تحدد أهدافها ، ولا تمتلك القدرة وحدها على رسم نهايتها. وهنا تكمن المفارقة ؛ فالدول التي قد تتحمل النصيب الأكبر من الخسائر ليست بالضرورة هي الدول التي اتخذت القرار السياسي بالتصعيد.

وتأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة الدول التي لا تمتلك مصلحة حقيقية في توسع هذه المواجهة. فمن الصعب تصور أي مكاسب استراتيجية يمكن أن تحققها الرياض من حرب إقليمية واسعة ، بينما تبدو قائمة المخاطر طويلة ومفتوحة. فالمنشآت النفطية، ومحطات الطاقة، وشبكات المياه، والبنية التحتية الحيوية، جميعها تتحول في مثل هذه الحروب إلى أهداف ذات أولوية، خاصة في ظل تطور قدرات الصواريخ والطائرات المسيرة التي أثبتت خلال السنوات الماضية أنها قادرة على تجاوز كثير من أنظمة الدفاع التقليدية. وبالتالي فإن أي تصعيد إضافي لن يقتصر أثره على الخسائر العسكرية ، بل سيمتد إلى الاقتصاد والاستثمار والطاقة وأسواق المال، وهي القطاعات التي تشكل العمود الفقري لمشروعات التنمية الخليجية.

والأخطر من ذلك أن دول الخليج بنت نموذجها الحديث على معادلة أساسية تتمثل في توفير بيئة مستقرة وآمنة للاستثمار والعمل والتنمية. وهذه الميزة كانت لعقود إحدى أهم نقاط القوة التي جذبت رؤوس الأموال العالمية والمشروعات الكبرى. لكن استمرار حالة الحرب يعني أن عنصر الأمن نفسه يدخل دائرة الاختبار ، وهو أمر لم تعتده المنطقة بهذا الحجم من قبل. والأسوأ أن هذه الدول تجد نفسها أمام تهديدات متصاعدة في حرب لم تختر توقيتها، ولم تضع أهدافها، ولا يبدو أنها تملك مصلحة عقلانية في استمرارها أو توسيعها.

ولا يمكن فصل هذه التداعيات عن مستقبل المشاريع التنموية العملاقة التي أصبحت عنواناً للمرحلة الجديدة في الخليج، وعلى رأسها رؤية السعودية 2030، التي تمثل مشروعاً اقتصادياً وتنموياً غير مسبوق يهدف إلى إعادة صياغة الاقتصاد السعودي وتقليل اعتماده على النفط ، وبناء قطاعات جديدة في الاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والصناعة. وهذه الرؤية، بما تتضمنه من مشروعات كبرى مثل نيوم ، ومشروع البحر الأحمر ، والقدية، وغيرها، تحتاج قبل أي شيء إلى بيئة مستقرة، وتدفقات استثمارية مستمرة، وثقة دولية طويلة الأمد. وكلما ارتفعت وتيرة التصعيد العسكري ، زادت المخاطر التي تهدد هذه البيئة ، لأن المستثمر يبحث أولًا عن الاستقرار قبل الأرباح، والسائح يبحث عن الأمان قبل الوجهة ، والأسواق تعاقب المناطق التي تتحول إلى بؤر توتر حتى وإن لم تصلها العمليات العسكرية بشكل مباشر.

وفي المقابل، فإن قراءة سلوك إيران يجب ألا تبقى أسيرة التصورات التقليدية التي تفترض استمرار الحرب عند حدود تبادل الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة. فالتاريخ العسكري يعلمنا أن الدول قد تغير قواعد الاشتباك عندما تشعر بأن أدواتها الحالية لا تحقق النتائج المطلوبة ، أو عندما تصل إلى قناعة بأن استمرار الحرب بالشكل القائم يؤدي إلى استنزافها أكثر مما يرهق خصومها.
ومن هنا، فإن الانتقال – نظرياً – إلى أنماط أكثر تقليدية من المواجهة يظل احتمالًا يجب دراسته، حتى وإن كان يحمل كلفة هائلة على جميع الأطراف.

وفي حال وصول الصراع إلى هذه المرحلة، فإن المنطقة ستكون أمام مشهد مختلف تماماً ، حيث تتراجع أفضلية التكنولوجيا وحدها لصالح عوامل أخرى مثل القدرة على الحشد، والامتداد الجغرافي، وطول خطوط الإمداد، والقدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة. وعندها لن تبقى المواجهة محصورة في الضربات الجوية أو البحرية، بل قد تتحول إلى صراع واسع يغيّر خرائط النفوذ والسيطرة، ويجعل العودة إلى ما قبل الحرب أمراً بالغ الصعوبة ، كما حدث في عدد من الصراعات الدولية خلال العقود الأخيرة.

كما أن الرهان على تدخل عسكري أمريكي مباشر وواسع النطاق يجب أن يخضع لقراءة واقعية للتجارب السابقة. فالسياسة الأمريكية بعد العراق وأفغانستان أصبحت أكثر حذراً تجاه الانخراط في حروب برية طويلة ، وهو ما يجعل احتمال الاكتفاء بالدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي للحلفاء أكثر انسجامًا مع النهج الذي اتبعته واشنطن في أزمات دولية حديثة. وهذا يعني أن القوى الإقليمية قد تجد نفسها في مواجهة تداعيات الصراع بصورة أكبر مما يتوقعه البعض.

وأمام هذا المشهد شديد التعقيد، فإن الحلول العسكرية تبدو عاجزة عن إنتاج استقرار دائم، لأن كل جولة قتال تفتح الباب لجولة أخرى أكثر عنفاً ، بينما تتراجع فرص التسوية السياسية تدريجياً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة لا تقوم على إدارة الأزمات بعد وقوعها، وإنما على بناء منظومة إقليمية قادرة على منع انفجارها من الأساس. فالعالم الإسلامي، رغم امتلاكه مؤسسات إقليمية متعددة، لا يزال يفتقر إلى آلية تمتلك القدرة السياسية والتنفيذية على احتواء النزاعات قبل تحولها إلى حروب مفتوحة.

ولذلك فإن التفكير في إنشاء إطار جديد للتعاون الإقليمي، يقوم على الإحترام المتبادل ، وتسوية الخلافات بالحوار ، وبناء منظومة أمن جماعي بين دول المنطقة، لم يعد مجرد طرح نظري، بل أصبح ضرورة تفرضها الوقائع المتسارعة. فالقضية لم تعد تتعلق بمن ينتصر في معركة هنا أو هناك ، وإنما بكيفية منع المنطقة بأكملها من الانزلاق إلى صراع طويل قد تستغرق آثاره سنوات وربما عقودًا.

لقد أثبتت التجارب أن بيانات الإدانة، وبيانات القلق، والدعوات التقليدية إلى ضبط النفس، لا تغير موازين الصراع على الأرض إذا لم تقترن بإرادة سياسية وآليات تنفيذ حقيقية. ومع اقتراب المنطقة من مرحلة تبدو أكثر حساسية وخطورة، يصبح التفكير خارج الأطر التقليدية ضرورة، وليس ترفاً سياسياً . فإما أن تنجح دول المنطقة في إنتاج نموذج جديد للتعاون يمنع الانفجار الكبير، وإما أن يستمر مسلسل التصعيد حتى يصل إلى نقطة يصبح معها احتواء الحرب أكثر صعوبة وكلفة على الجميع، دون استثناء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى