مقالات

ترامب وسياسة «إركب المرجيحة».. كيف أصبحت التهديدات أداة لإدارة الشرق الأوسط؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

من يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسابيع الأخيرة يلاحظ أن المشهد لا يخضع لمنطق التصعيد التقليدي بقدر ما يخضع لمنطق إدارة التوقعات وصناعة المفاجأة. فبعد ساعات فقط من حالة الترقب التي صاحبت الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية واسعة ضد إيران، والتي روجت لها وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية استناداً إلى تسريبات ومصادر مطلعة ، جاءت الرسائل اللاحقة لتشير إلى تراجع أو تأجيل أو إعادة تقييم، وكأن المنطقة بأكملها أصبحت تعيش على إيقاع موجات متلاحقة من التصعيد ثم التهدئة.

في تقديري، لم يعد من المفيد التعامل مع كل تصريح يصدر عن ترامب باعتباره قراراً نهائياً ، بل باعتباره جزءًا من أسلوب تفاوضي وسياسي يعتمد على رفع سقف التهديد إلى أقصى درجة، ثم النزول منه في اللحظة المناسبة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. هذه الآلية تكررت أكثر من مرة، حتى أصبحت تكاد تشكل نمطا ثابتاً في إدارة ملفات الشرق الأوسط.

المشهد يبدأ عادة برسائل توحي بأن باب التفاوض لا يزال مفتوحًا، وأن واشنطن مستعدة لإبرام اتفاق إذا استجابت طهران لشروطها. وبعدها بفترة قصيرة تتغير النبرة تماماً ، فتخرج تصريحات حادة تؤكد أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك قدرات تهدد أمن إسرائيل أو المصالح الأمريكية، وأن كل الخيارات العسكرية مطروحة على الطاولة. ثم لا يلبث الخطاب أن يتغير مرة أخرى، فتظهر تصريحات تقلل من حجم القدرات الإيرانية أو تتحدث عن نجاح الضغوط الأمريكية في إضعافها، قبل أن تعود لغة الاحترام لقدرة الخصم على الصمود، في تناقض يثير كثيراً من التساؤلات.

وعلى الأرض ، كثيراً ما تتزامن هذه التصريحات مع تحركات عسكرية محدودة أو إعادة تموضع للقوات الأمريكية أو تنفيذ ضربات محسوبة لا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنها تبقي المنطقة في حالة توتر دائم. وفي المقابل، تأتي ردود الفعل الإيرانية أو تحركات حلفائها لتضيف مزيداً  من القلق ، فتزداد المخاوف من احتمال خروج الأمور عن السيطرة.

الأثر الحقيقي لهذا الأسلوب لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد مباشرة إلى الاقتصاد العالمي. فمجرد انتشار تسريبات عن ضربة وشيكة كفيل بإرباك أسواق المال، ودفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، ورفع أسعار النفط، وإدخال البورصات في موجة من التقلبات الحادة. وبعد ساعات أو أيام، إذا صدرت إشارات إلى التهدئة أو تأجيل المواجهة، تبدأ الأسواق في استعادة جزء من خسائرها، وكأن العالم كله أصبح يتحرك وفقاً لإيقاع التصريحات السياسية أكثر من تحركه وفقاً للوقائع العسكرية.

ومن هنا يبرز سؤال مشروع : هل أصبحت حالة عدم اليقين نفسها أداة من أدوات السياسة الأمريكية؟ وهل المقصود أحياناً ليس تنفيذ الضربة بقدر ما هو تحقيق التأثير النفسي والسياسي والاقتصادي الذي يسبقها؟ هذه أسئلة يطرحها كثير من المراقبين، خصوصًا مع تكرار السيناريو نفسه بصورة تكاد تكون متطابقة.

لا يعني ذلك بالضرورة أن كل تهديد هو مجرد مناورة، ولا أن كل حشد عسكري ينتهي بالتراجع، فالتاريخ يعلمنا أن القرارات الكبرى قد تُتخذ في لحظات لا يتوقعها أحد. لكن المؤكد أن أسلوب ترامب في إدارة الأزمات يقوم بدرجة كبيرة على عنصر المفاجأة، وإبقاء الخصوم والحلفاء والأسواق في حالة ترقب دائم ، بما يمنحه مساحة أوسع للمناورة والضغط السياسي.

لذلك، فإن التعامل مع أي تصريح أمريكي بشأن إيران أو الشرق الأوسط ينبغي أن يكون بحذر شديد، فلا تهوين مطلق ولا تهويل مطلق. فالمشهد أكثر تعقيداً من مجرد تصريحات نارية أو أخبار عاجلة، وما يجري قد يكون جزءًا من لعبة سياسية وإعلامية واقتصادية متشابكة، هدفها إعادة تشكيل موازين القوى وتحسين شروط التفاوض أكثر من السعي الفوري إلى حرب واسعة.

ويبقى الاحتمال الأخطر قائماً دائماً، وهو أن تتحول لعبة التصعيد المحسوب إلى مواجهة حقيقية بسبب خطأ في الحسابات أو سوء تقدير من أحد الأطراف. فالتاريخ مليء بأزمات بدأت بتصريحات، وانتهت بحروب لم يكن أحد يتوقع توقيتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى