الاوشڤيتز والمعنى

أحمد المقدم
أنجبت أوستريا سيجموند فرويد والذي أضاف بعدًا آخرًا للتاريخ البشري بعدما ربطه بفرع آخر من العلوم الإنسانية وهو علم النفس. فقد أقام التحليل النفسي الذي يغوص في النفس البشرية ليسبر أغوارها ويترددبين أنحاء ماضيها. وقد تمخض عن ذلك الطب النفسي الذي قد عهدناه دوما يبحث عن المشكلة بجعل المريض آلة زمنية لا وجهة لها سوى الماضي.
وبعد أن تدور رحى الحرب العالمية الثانية، تنجب أوستريا لنا مؤسس مدرسة أخرى للتحليل النفسي وهو اليهودي ڤكتور فرانكل. ورغم كونه طبيبا نفسيا وعالما.فلم يشفع ذلك له كما لم تشفع له جنسيته النمساوية. فقد كان من المنبوذين مع ملايين آخرين ممن حرمهم هيتلر من إنسانيتهم في معسكرات الاعتقال التي قد أقامها الفيرماخت لكل أعداء الحلم الذي آمن به هيتلر في رجوع لهيمنة الآريين والذي يفوق الامبراطورية الرومانية المقدسة في فرض سيادته على العالم.
يتحدث فرانكل في كتابه الأشهر على الإطلاق “بحث الإنسان عن المعنى” “Man’s Search for Meaning” عن تجربته في معسكر الاعتقال أوشڤتز “Aushwitz” (يذكر فرانكل أنه قد قضى أربعة أيام في مأساة الأوشڤتز بعد أن قضى عامين في معسكر تيريزينشتات Teresienstadte ثم انتقل إلى الأوشڤتز وقد انتقل بعد ذلك إلى معسكر داخاو Kaufering قبل أن يتم إطلاق سراحه تزامنا مع انتهاء الحرب وسقوط ألمانيا النازية)
لقد ذكر فرانكل تفاصيل معاناته مع أقرانه في الجزء الأول من الكتاب والذي يوضح كيف تجرد السجناء من مفهوم المعنى في حياتهم حتى صاروا يبحثون عن رفاهية الموت الرحيم أو الانتحار داخل خيامهم أو خلال نوبات السُّخرة التي كانت ساعاتها الطوال تمر تحت سياط وإهانة قوات رأس الموت
(SS) ورؤساء المساجين Kapos والذين، رغم كونهم مساجين لم يقلوا قسوة عن رأس الموت.
يتحدث فرانكل عن موت الإنسان عند غياب المعنى. إنها حالة الموت التي عاشها المعتقلون داخل الأوشڤتز بعد أن فقدوا معنى الحياة. فقد كانوا يعانون من فقدان الرغبة في الحياة والميول الانتحارية والهلوثة المستمرة. وقد وصف فرانكل رحلة تحول المعتقل إلى حالة الحطام النفسي الكامل منذ بدء الاعتقال وحتى الموت إما على يد قوات رأس الموت إذا عجز المعتقل عن آداء أعماله أو الموت البطيء بعد الانهيار النفسي التام وتردي الأوضاع الصحية داخل المعسكرات.
ورغم ما تعرض له فرانكل مع أقرانه من المعتقلين، إلا إنه وبحسب قوله كان يعلم يقينا أن لكل ذلك معنى ظل يتشبث به حتى وضعت الحرب أوزارها وتحقق ما كان يؤمن بالحياة من أجله وهو إطلاق سراحه. وبعد خروجه من معسكرات الاعتقال كان فرانكل بصدد وضع أسس فلسفة تحليلية نفسية موازية للتحليل الفرويدي وهو المعروف بالعلاج بالمعنى “logotherapy”
يذكر لنا فرانكل في كتابه أساس فلسفته العلاجية الموازية للتحليل النفسي قائلا:
“لقد سألنى المحاور عن الفرق بين التحليل النفسي المعروف والعلاج بالمعنى فسألته:’ما هو تعريف التحليل النفسي المعروف؟’فأجاب:’ هو أن يستلقي المريض على ظهره فوق سرير ثم يحكي أشياءا فظيعة ربما لا يمكن سردها’ فقلت:’في نظريتي وهي العلاج بالمعنى، ليس من الضروري أن يستلقي المريض بل ربما يقف منتصبا كي يستمع إلى أشياء ربما هي بذات الدرجة من الفظاعة والتي لا يرغب هو نفسه في سماعها'”
الفراغ الوجودي Existential vacuum ، بحسب تعريف فرانكل، هو تلك الحالة التي تنشأ عن غياب المعنى في حياة المرء. وعندها يصبح المرء أجوفا يفتقد إلى إنسانيته وعندها تتولد لديه ميول منحرفة نحو الشرور. يقول فرانكل:
“إن تلك الظواهر كالاكتئاب والإدمان والعنف الزائد لا يمكننا تفسيرها دون معرفة حالة الفراغ الوجودي الذي يؤدي إليهم جميعا، وذلك هو الحال أيضا مع أزمة المتقاعدين على المعاش وكبار السن”
إنها إذًا معادلة بديهية، غياب المعنى يؤدي إلى الفراغ الوجودى والذي يؤدي إلى عواقب وخيمة قد تفقد الإنسان حياته قبل الموت.
إن المعنى هو الأمل الذي يجعلنا نمعن النظر في الحاضر ونعيد ترتيب أولوياتنا للمستقبل. إنه ذلك الصوت الخفي الذي يربت على قلوبنا برسالة مفادها “سوف تصير الأمور على ما يرام
يقول فرانكل أنه في مفهوم معنى الحياة، يصبح الإنسان مسؤولا أمام الحياة كي يكون في مقام المجيب لا السائل عن المعنى. فالحياة تضعنا دوما أمام السؤال الوجودي: ما هو معنى الحياة؟ ليس من المفترض أن نسأل، ولكن الحياة تضعنا أمام مسؤولية الإجابة على ذلك السؤال ومحاولة حل هذه الأحجية في كل موقف أو مشكلة نقع فيها. فلكل منا في الحياة وظيفة ينبغى أن يؤديها. ولن يؤديها إلا إذا كان يعرف يقينا أن لحياته الشخصية معنى، أنه بطل قصة لا زالت تحوي فصولا لم تسرد بعد.
يعطينا فرانكل جوابا ضمنيا في اختيار العلاقة. ففي تعريفه لمعنى الحب يقول فرانكل أننا لن نعرف جوهر الإنسان وقيمة وجوده في حياتنا إلا من خلال الحب. وعلى النقيض، فإن عدم معرفة الآخر لجوهرنا وقيمتنا ليس سوى مؤشرا لحقيقة أن ذلك الشخص لم يُكِنّ لنا الحب.
وفي معنى المعاناة يخبرنا فرانكل قائلا:
” علينا ألا ننسى أننا يمكننا أن نجد لحياتنا معنى حتى ولو كنا في ظلام دامس ألقى خيامه علينا لوقوعنا في موقف لا أمل فيه للنجاة. إن أحالنا القدر إلى موقف لا نجاة فيه، فإننا حينئذ سنشهد الطاقة القصوى داخلنا في تحويل المأساة إلى نصر، فى تحويل المعضلة إلى إنجاز، فإذا لم يكن في وسعنا تغيير الواقع-مثلما لا يمكننا الشفاء من مرض عضال كالسرطان- فإننا يمكننا تغيير أنفسنا حتى نتمكن من البقاء بشكل أقوى من ذي قبل.
وهكذا فإن لكل ظواهر حياتنا معنى، أو إن شئنا قلنا أن لأنفاسنا معنى، لدموعنا معنى، لضحكاتنا معنى، للخير معنى، وللشر كذلك معنى. وينبغى أن نعلم أن ذلك المعنى كالدر في قيعاننا إذا وجدناه وجدنا كنز يجعلنا أغنياء، ويجعل داخلنا كقصر مشيد. وللسؤال الإلهي جواب قلبي لا يستطيعه سوى من آمن بمعنى الحياة وبمعناه فيسألنا الله: “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون؟”



