قصص

عالم من العدم

✍️آية محمد نصر

الخط المشوه المرسوم على كل جدارٍ يخبرني بأنني أجلس في منتصف العدم منذ لا أذكر متى.

“كُل الطرق تؤدي إلى ما تهرب منهُ”جملة مكتوبة مئات المرات بعشوائية مشوهة لتظن أنها تعويذة سحرية لحمايتي من شيءٍ ما، الهواء كئيب يتحرك ببطء شديد، والظلام يحاوطني.

أشعر بالبرد، أرى عيناه في كل مكانٍ حولي ولم أعد أفزع منهما..

العالم يبدو رماديًا باهتًا منذ أن دخل عالمي ولكن اعتدت ذلك أيضًا، أود الهروب، ولكنه يمنعني من الرحيل.

في كل ليلة يأتي لي بالفاكهة المحرمة من الجنة، والأسماك المضيئة من قاع المحيطات و يضع كنوز الأرض عند قدمي وينظر إليَّ بأعينهُ المشوهة يتوسل ويرجوني أن أنضم له.

أقول له بهدوء: “ولكن يجب عليَّ أن أرحل من هنا”.

فينظر إليَّ راجيًا..أقول في حنق: لا تجعلني أختار وأنتَ كُل الاختياراتفينظر إليَّ متوعدًا ويذهب ليحضر لي كنز جديد.

“الليلة الخمسين… مابعد اللانهائية”يحدق في، ولا يرمش له جفن، لأن ليس لديه جفنٌ، مسخ قبيح بلا جفن ولا شعر، لم أرى مثله من قبل ولو في الكوابيس ولا أعرف كيف أتى إلى منزلي، وأنا نفسي نسيت كيف أتيت إلى منزلي!

قصير، جسده غير متناسق، بشع الخلقة..عيناه ضيقتان بدون أجفان، أنفه معقوف، لا يملك شفتين، وأنيابه متلاحمة ومتراصة بشكلٍ عشوائي، ويملك قرنين محطمين، يراقبني وأنا أجهز ملابسي، ونقودي القليلة بنفسيتي الممزقة وصداعي اللعين لأرحل عن هنا.

يحدق بي أكثر فيزداد الصداع فأضرب على رأسي ليرحل عني هو أو الصداع فيحدق بي أكثر، نظراته تحرق فأضرب رأسي بقوةٍ أكبر لتعود لي ألواني الطبيعية فتكبلني الرؤية الرمادية أكثر من ذي قبل.

أفتح الشرفة فيلفحني هواءٍ ساخن وألقي بنظري على الصحراء الممتدة على مرمى بصري، لا أعرف في أي فترةٍ أو زمن أنا الأن..في العدم..

السماء والأماكن متشابهة، رمادية كئيبة لا شمس فيها ولا قمر، بوابة تطبق على الروح كأنني هنا في الجحيم!

منزلي هو المنزل الوحيد في قلب العدم، أتأكد من وضع حقيبتي فوق ظهري ثم أنظر إليه نظرةً أخيرة فيبتسم في سخرية، وهو يعلم بأنني سأعود، فبادلته الابتسامة لأنني أؤكد له بأنها ستكون المرة الأخيرة.

الشرفة..السماء التي تؤدي مباشرة إلى جحيمٍ رمادي في العدم ليس هناك جنة ولا نار، ليس هناك من يساعدك، ليس لديك أصدقاء، ليس لديك حبيبة، ليس لديك أفكار إلا للهروب، حياتك تنسحب ببطء إلى الداخل لتصبح قشرة مجرد قشرة، الدين هنا سواءً..

لن تنقذك بضع كلمات تحفظها لأنه يجب عليك أن تؤمن بها أولًا.

والإيمان في عالم العدم كالإيمان في عالم العدم!

أنت تعرف ما أعنيه، عندما تعيش للأبد في سجن رماديٍ لا زرع به ولا ماء وجليسك الوحيد شيطان لعين يشعر بالوحدة، يريدك لأنه محبوس هنا أيضًا، ولن يمكنه الخروج إلا في حالة وحيدة وهي البقاء معه في هذا العالم الذي صنعه غير ذلك فهو مجبور، أما عني فأنا لدي حرية الاختيار.

يمكنني محاولة الهرب للأبد..تماسكت، نظرت من الشرفة نحو الأرض الرملية البعيدة نسبيًا عني.

قلت لنفسي: يمكنني قفزها!

لن يمكننى أن أستخدم الباب بالطبع لأنني جربته في مرةٍ سابقة والنهاية لم تكن سعيدة مطلقًا!

وقفت على السور، رفعت رأسي إلى السماء ورجوت من الله المساعدة على الرغم من أن الشيطان ذو القرنين أخبرني كثيرًا أن الله غير موجود!

ولكنني تمسكت بما تبقى من إيماني، مرت نسمة رقيقة على وجهي ابتسمت من شفتين اغتصبهما العطش وشعرت بأن الخلاص قادم، فأغمضت عيني وقفزت.

شعرت بالأرض بعد ثانية تقريبًا فعرفت أنه حتى قواعد الجاذبية تخشى أن تسري هنا.

هو لا يريدني أن أتأذى فجعل قفزتي قفزة بسيطة لا تؤلم رغمًا عن أن منزلي مكون من ثلاث طوابق، نظرت إلى الشرفة من الأسفل فوجدته ينظر نحوي في لهفة ليدرك هل تأذيت أم لا، فلم أهتم وبدأت في المشي.

بعد محاولاتي اللانهائية في الليالي السابقة علمت أن الخروج من ذلك الجحيم ينتهي بعد خمسين خطوة من المنزل، عند الخطوة الثانية والأربعون نظرت إلى المنزل فوجدت أن وجهته قد ألتفت ووجهتني وذو القرنين عند مدخله وينظر لي.

فألتففت لأكمل طريقي فوجدت أخي يواجهني، مرت ثوانٍ لم أعرف ماذا عليَّ أن أفعل!

بحثت في ما تبقى من ذاكرتي عن ما يربطني فوجدت الكثير، الكثير جدًا، ذو القرنين يحضر لي فخًا جديدًا.

أخي كان يبتسم وينظر لي بكل سعادة ويتحدث معي ويخبرنى بأن ذو القرنين يريد الراحة والهروب من تلك الوحدة وأن نبقى معه إلى الأبد وسيحقق لنا ما نريده.

أحمق!

أخذت حجر كبير نسبيًا من الأرض ثم قذفته نحو ذو القرنين ليصيبه؛ فيرد عليَّ، ويلقي نحوي ورقةً باليةً كأنه يخبرني بأنه يسامحني تحرك أخي نحوه كالمسحور، حاولت إيقافه صرخت في أذنه: توقف أيها الأحمق ألا ترى عينيه الظلاميتين؟!

قال هائمًا: أنا لا أرى إلا الجنة في عينيه.

قلت غاضبًا: ألا ترى أجنحته السوداء؟!

قال في حب: لا أرى إلا جناحيه المنيرين.

قلت وأنا أدفعه للخلف لأمنعه من المشي الا ترى وجهه المشوه؟!

قال: لا أرى إلا ملاكًا هبط علينا من السماء ليساعدنا ابتسم ذو القرنين وأشار إلى أخي ثم رماه بسمكةٍ نتنة فأكلها أخي مستمتعًا كأنها طعامه الأخير.

ظل أخي يتقدم ولا يستمع إليَّ، قلت لنفسي بأنني لن أستطيع العودة وتركته لحالي بدموعٍ كثيفة لأنني أعرف نهايته!

ظل يقترب ويقترب حتى وصل إليه، ربت ذو القرنين على كتفه وقضم نصف جسد أخي مرةً واحدة وسقط ماتبقى منه تنفجر الدماء بشدة من أشلاءه.

هنا قررت الركض ولكن الأرض لم تساعدني فقد بدأت في سحبي نحوه من جديد!

المخرج كان على مرمى حجرٍ مني، أكاد أرى عالمي وعائلتي وأصدقائي.

ركضت أكثر وأكثر، ركضت بكل قوتي وأنا أصرخ، أغمضت عيناي من شدة الركض وأنا ألهث، ركضت ولم يكن هناك ماهو أسرع مني، شعرت بشيءٍ ما خاطئ..

فتحت عيني ببطء لأجد أمامي حائط مليء بالتعرجات وأن كل ذلك الركض كان فقط لمحاولة تسلقه، وكنت قد نجحت بالفعل في تسلق بعضه كأنني عنكبوت!

وفي الأسفل يقف ذو القرنين ينتظر سقوطي!

لقد ملَّ اللعبة والعدم، سيلتهمني وسينتهي الأمر بسرعة، تركت نفسي أسقط بكل سلام داخل فمه وحلقه وأنا أقول:

“سلامًا على القادمين من بعدي، أخيرًا استطعتُ الهرب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!