ابداعات

“فجرٌ آخر”

سامية مصطفى

أتدري من الفاعِل؟ الفاعِلُ مجهول حتى الآن لا يعرفه سِوى أشِلائي، الجاني هو الألم والحُزن الدفين، ذاكَ الوحشُ الناتِجِ عن الوحدة الفتاكة، صدقوا من قالوا لا تترك الإنسان لذاته فسوف تلتهمهُ، رُبما كانوا يقصدون الفراغ فعِندما يعيشُ الفردُ مِنَّا فارغًا فستأكله أفكاره بعدَ أن تسلُبَ طاقتهُ.

إنها الرابعةُ فجرًا، لا أعلمُ كم فجرٍ مرَ على تعاستي لكنه حتمًا ما بعدَ المليونِ بمراحلِ، عِشتُ ليالٍ عِجاف سوداء لا يُزينها إلا ندبات اليأس الذي اِرتطم بالأمل فشدَّ جذوره اليافعة بداخلي حتى قُطعِت، في الأصلِ أنا من قُطِعَت لأشِلاء مُتناثِرة هُنّا وهُنّاك تزرُف دمائِها كالبحر الذي لا نهايةَ له.

اُنظُر لذاك المسكين وتِلكَ الهزيلة! لا تتعجب عزيزي فدوام الحال من المُحال، بالأمسِ كانَ يضحك، كان فياضًا بالشغف حتى صفعته الحياة فتوقف عند تِلكَ النقطةِ بالأمس لم تُبحِر بِهِ أفكاره إلى شاطئ النسيان ولا شاطئ التأقلم، بل أبحرت بِهِ إلى شاطئ الهلاك ويا لهُ من أحمق تتبعَ الموج حتى غرق.

ماذا لو لم يتتبع موجِ الهلاك؟ ماذا لو لم يكره الأمس وهو مازالَ عالقًا فيه؟ لِما علينا الخضوع لنوباتِ الاِكتئاب؟ لماذا لم نتجاوز بعد رغمَ اِعتيادنا على الأمور؟ أحقًا التأقلُم مُؤلِم أم نحنُ حمقى؟ كُلَ هذه الأسئلة لا تمتلِك سوى إجابةٍ واحدة وهي أننا لم نحاوِل قط، فقط اِستسلمنا للعدو، لم نُحارِب اِكتفينا بالصمت والخضوع، بِتنا أشبه بالخِراف تُساق إلى حيثُ المُراد وأحيانًا يجودُ عليها بِبُرهةٍ مُجاوِرة لتتجول وهلةٍ ثُمَ تُقيد حتى يُقرِر ذبحها.

ماذا لو أسقطنا الخوفِ عن كواهِلِنا؟ حتمًا سنُصبح أحرارًا، اللعنة على الخوف فالوحدة تولد من رحمهِ، عِندما نخاف نميلُ للعُزلةِ الدائِمة فنُصبح لُقمة صائِغة لجميع المُفترِسات، لِما نُسمي الحيوانات بالمُترسة والإنسان أشدُ اِفتراسًا مِنها؟ ألا نظلِمهُ؟ صه! صه! أُترك ما تفعله فهو بِلا جدوى ولا تُثرثِر كفاك، ألم تمِلّ بعد؟!

علينا ألا نخضع للوحدة القاتلة، يتعافى المرء بعُزلتهِ أحيانًا ولكن عُزلتهِ البَاثِقة بالعبادة الخالصةَ للهِ -عز وچل، فإذا أداها طابت نفسهُ وفُرجَ همهُ وفُكت كُرباته، لا تستمع لشيطانِ نفسِكَ الغرورة وتقضي أيامك بعد أولِ صفعةٍ حزينًا خاضِعًا للوساوِس، بل تأقلم بالعبادة حتى تُزال الغصة مِن قلبِكَ فليس هُناكَ مُستحيلًا أيُها المُتغافِل، فلقد ولِدَ الأمل مِن رحمِ المُعاناة، تألم فتعلم، “إنَ بعد العُسرِ يُسر”.

سنُزهِر مِن جديد تأكد وثِق باللهِ ثم ذاتك وتشبث بالأمل لا تنقطع، لقد كانَ الفجرُ الأخير في تعاستي فلم أفقد ضالتي بعد.
وأنت ماذا عنك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!