ابداعات

تحت ضوء القمر

هاجر بلعربي

كما وعودها الزائفة بالبقاء بجانبي فقد تلاشت تحت ضوء القمر ذاك المساء، كانت كلماتها الأخيرة تغلف قلبي بالبرودة اللَّامتناهية، بدا الأمر عاديٌا لها، وكأن طلاقنا ليس سوى تغيير بسيط في حياتها.

احتضنت قلبي محاولًا إيقاف آلامي بعد ذهابها، كلمات أصدقائي المواسية كانت أشبه بالضمادات التي توقف نزيفه، لكنها لم تتمكن أبدًا من إيقاف الألم، استمرت البرودة بغزو أضلعي، حتى أصبحت أفكر في أسبابها التي دفعتها للتخلي عني، لجأت لمذكراتها التي اعتادت أن تدوِّن فيها مشاعرها طوال فترةِ علاقتِنا، خطوبتنا، وحتى شهور زواجنا الأولى؛ لعلِّي أجد فيها سببًا لذهابها، لعل أسبابها كانت منطقية، لكني لم أتمكن من إدراكها.

شكرت الله كثيرًا؛ لأني لم أتأخر، فقد كانت أوراق دفترها تحمل من الألم ما يساوي ألم قلبي الآن، كانت حبيبتي الصغيرة تواسي نفسها بعد أخطائي، كانت تحاول تشجيعها للمضيِّ قدما في علاقتنا، من أجلنا معًا.

ظهر طيفها قربي لثوانٍ جعلتني أرغب في احتضانها والاعتذار عن تقصيري، ولكنه سرعان ما تلاشى بعد التربيت على كتفي، شعرت بكلماتي التي جهزتها لقولها تتبخر قبل مغادرة شفتيَّ، ولم تكن تلك المرة الأخيرة، عادت لتزورني في أحلامي، ولكن كل ما فعلته كان احتضاني، وكأنها ترجو مني إصلاح نفسي، وإيجادها مجددًا.

شعرت بالضياع وكأنني مسجونٌ في عقلي، فأنا مذنب بحق حبنا ووعودنا حتى وإن لم أكن مذنبًا بحقها، لم تغادر تفكيري ولو لوهلة، لو علمت هذا لربما غفرت لي تقصيري، فلم يكن حبي لها عاديًا يومًا، كنت أبغِي إبقاءها في قلبي؛ لئلا تضيع مني، يبدو أني بالغت في خوفي وغيرتي، ما كان حبًا بالنسبة لي، كان سجنا بالنسبة لها، غزت الأفكار رأسها ولم تقاوم كثيرًا، بل استجابت لها تاركة إيَّاي وراءها، حاولت استجماع ما بقي من شجاعتي لأجدها مجددًا.

لم يكن هذا صعبًا؛ فجدار بيتها الذي تقابلنا فيه مرارا مايزال دافئًا، ومازالت رائحة الأكل تفوح منه كل يوم، وبعد ترددي عليه لفترةٍ من الزمن، أيقنت أن لحظتي الحاسمة قد حانت حالما خرجت لتتقابل أعيننا مجددًا، كانت ابتسامتها أكثر ذبولًا، وجسدها أكثر برودة.

لقد احتضنتها بقلبي قبل يدي، أخبرتها أني لم أتخذ أي خطوة لإنهاء إجراءات طلاقنا، وأني أرغب في إصلاح ما مضى، ولو تطلب مني ذلك البقاء بجانبها للأبد؛ حتى لا أترك مجالًا للغيرة بيننا، أيقنت من دفترها كم كان حديثي المنفتح مؤلما لها.

والآن بعد مرور سنتين على عودتها معي إلى بيتنا، اختفت أسباب شجارنا الطويل، نقاشاتنا البسيطة لن تختفي مهما كبرنا، وطفلنا القادم سينضم إلينا كذلك، وها نحن نجلس سويًا تحت ضوء القمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!