خواطر

“في التيه”

بقلم/رنا عبد الرزاق

عندما تختلس مدينة جزءًا من ملامحك، عندما تشهد صراعاتك وانهياراتك، وتهدي إليك صمودك، وتشد أزرك تجدك؛ تارة تعشق أمنها وأمانها وتمتلئ رئتيك بسحر هواها.. وتارة تمقت شوارعها الفارهة المضيئة، لأنها تذكرك بخراب ما في مسقط قلبك.

عندما تغدو ممتنًا لتفاصيلها، لناسها الكرام الطيبين، عندما تمتلئ بالرضى عن غربتك التي أهدتك جزءًا غير متوقع من أحلامك هنا يحضرني قول الإمام علي -كرم الله وجهه “الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن”.

كم و كم جادت الغربة علينا بمكرمات لم يسعفنا بها الوطن !.

كم تكسرت أحلامنا في بلد الياسمين! وكم يعزّ علينا أنها تكسرت! آهٍ يا بلدي! آهٍ يا وجعي، و وجع كل مغترب طاب له العيش منفيًا خارج حدودك الدامية نحن الذين ودعنا الوطن ممتلئين بالذكريات، لا نمتلك خارطةَ طريقٍ للعودة، نعلل النفس بالذكريات وحسب، والمؤسف أن جيلًا قد نشأ ليجد في منفاه الوطن وهو غير آبهٍ لخارطة العودة أصلًا هو مملوء بالفراغ والفراغ فقط، لا يدفعه الحنين لعودة ولا فرقة الأحباب للقاء.

جيل انسلخ عن فيض الذكريات التي أنهكت أجيال سبقته، لا تعرف حقيقةً هل تشفق عليه أم تحسده! تشفق عليه لجهله بمكامن الجمال في ديارٍ هجرناها مرغَمين متشبثين بمبادئنا، طامحين أن تنصفنا الحياة، أم تحسده لتعافيه من عقدة المقارنة الظالمة التي وضعتنا في التيه بين مطرقة الوطن وسندان الغربة، لانزال نترنح والحيرة تتملكنا، إلى متى؟! نتساءل فيأتي الجواب في أنفسنا سريعًا إلى أجلٍٍ غير مسمى.

نبلسم جراحنا بأنفسنا و نكبح جماح الذكريات، ونضع نقطة عند نهاية الشرود لنبدأ يومًا جديدًا، يوم ننسلخ فيه عن أنفسنا و ذواتنا، لنولد من جديد.

شيءٌ أشبه بمخاض الذات، وإنه والله الأشدُ إيلامًا على الإطلاق.

لننهض وينهض معنا الكبرياء من جديد، لنقف أمام المرآة متسائلين، هل تُنبئ ملامحنا بما حصل …

هو يوم نجاهد فيه كي نتعافى من آفات وطفيليات طفت على وجه مجتمعات أفرزتها حربٌ خسيسةٌ …

إنهم محدثي النعمة (اللكع ابن اللكع) الذين شرّع لهم الحظ أبوابه تجدهم أسعد الناس في زمنٍ ندرت فيه السعادة و عزّ نيلها …

لله ذر السوريين الشرفاء الأنقياء الذين غايتهم لم تبرر لهم الوسيلة لله ذرهم أينما حلّوا وكيفما ارتحلوا، لله أيامهم وتشردهم، وتشرذمهم، وخساراتهم التي لا تعد ولا تحصى.

لله أنين قلبك أيها السوري الأبيّ الحر، و لله عبرات عيونك، لله انطفاء روحك، و على الله توهج أحلامك، ونيل أمنياتك وجبر خاطرك.

‫4 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed
error: Content is protected !!