تقرير: رحمة خميس
في زمن تتسارع فيه الحياة وتتبدد المعاني، يأتي صوت الكاتب والشاعر خالد السيد ليقدم عملًا أدبيًا يعيد للكلمة ثقلها، في كتابه الجديد “دندنة على وتر الحياة”، الصادر عن دار فصحى للنشر والتوزيع. هذا ليس مجرد كتاب خواطر، بل هو دعوة مفتوحة لرحلة تأملية عميقة، حيث كل نص هو بمثابة لغز فلسفي، وكل جملة هي وتر يعزف على أعمق المشاعر الإنسانية.
يخوض خالد السيد في هذا العمل مغامرة لغوية وفكرية، متجاوزًا السرد التقليدي ليقدم أطروحاته عن الحياة والعلاقات في قالب شاعري كثيف. يجسد الكتاب تلك اللحظات التي نكتشف فيها أن سباق الحياة قد لا يؤدي دائمًا إلى النهايات المأمولة، كما يعبر الاقتباس الرسمي:
“إنَّ من أقسى، وأشدَّ مرارةً على المرءِ
أن يصلَ إلى نهايةِ السِّباقِ
ظنًّا منه أنَّه وصلَ إلى النِّهاياتِ المأمولة،
ثُمَّ لا يلبثُ أن يُدركَ
أنَّ آمالَه وغاياتِه تناثرَتْ في الطُّرُقاتِ وهو لا يدري…”
يتميز الكتاب بأسلوبه الذي يغري القارئ بالدخول في حوار صامت مع النص، حيث العناوين المجازية لا تكشف عن المضمون، بل تخفيه بذكاء، لتجعل من القراءة فعل اكتشاف ومشاركة في فك الشفرة.
يقول الكاتب إن الخواطر، رغم تنوعها، تم ترتيبها كباقة متناسقة، “بحيث ينتقل القارئ من خاطرة إلى أخرى وكأنه يقرأ كتابًا يعرض فكرة واحدة.” هذه البنية المتماسكة تحول الكتاب إلى تجربة متكاملة، تنتقل بالقارئ من مجرد التلقي البصري إلى حالة من الوعي والإدراك الكامل.
يأتي هذا النضج الفكري تتويجًا لمسيرة أدبية متنوعة للكاتب خالد السيد، الذي صدر له ديوان “همسات على الطريق” ومجموعة قصصية “حكايات من جوف الحياة”. وفي “دندنة على وتر الحياة”، يصل أسلوبه الفلسفي الشاعري إلى ذروته، حيث يستخدم الرموز والصور البلاغية ليس كزخرف لغوي، بل كأدوات لاستفزاز العقل وإثارة الأسئلة الكبرى.
“دندنة على وتر الحياة” هو أكثر من مجرد كتاب؛ إنه تجربة حسية وفكرية، ومحاولة جريئة لإعادة الاعتبار للكلمة العميقة في عصر السطحية. إنه عمل يليق بالقارئ الذي لا يبحث عن إجابات سهلة، بل يستمتع بجمال الأسئلة وتعقيد الروح البشرية.




