سيناريو الضربة النووية التكتيكية في حرب الشرق الأوسط

✍️ يوحنا عزمي
في لحظات التوتر الكبرى التي تمر بها المنطقة ، يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين التحليل والقلق ، وبين السيناريوهات المحتملة والوقائع المؤكدة. ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران من جهة ، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ..
بدأ يتردد سؤال خطير في بعض دوائر التحليل والإعلام : هل يمكن أن يشهد العالم للمرة الأولى منذ عقود استخدام سلاح نووي في حرب فعلية؟
السؤال في حد ذاته مرعب ، ليس فقط بسبب ما يعنيه عسكرياً ، بل لأن مجرد طرحه يعكس حجم التوتر الذي وصلت إليه المنطقة.
فالمؤشرات المتناثرة في الإعلام الغربي والإيراني والعربي خلال الساعات الأخيرة تشير إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حقيقي ؛ إما أن تنتهي هذه المواجهة بتفاهمات دبلوماسية توقف التصعيد ، أو تتجه نحو مرحلة جديدة أكثر خطورة قد تدخل فيها أسلحة غير تقليدية إلى المشهد.
خلال الأيام الأخيرة ظهرت مجموعة من الوقائع والتقارير التي دفعت بعض المحللين إلى الحديث عن تغيرات مهمة في مسار الحرب. أحد أكثر الأسئلة التي بدأ يتكرر طرحها يتعلق بتراجع فعالية منظومات الإنذار المبكر الإسرائيلية في بعض الهجمات الأخيرة، وهو ما ظهر في التقارير التي تحدثت عن وصول صواريخ أو طائرات مسيرة إلى أهداف داخل إسرائيل قبل إطلاق تحذيرات واسعة للسكان.
بعض التحليلات ربطت ذلك بإمكانية تعرض بعض أنظمة الرصد أو شبكات الإنذار لضغط كبير نتيجة كثافة الهجمات أو بسبب حرب إلكترونية معقدة تدور في الخلفية ، خاصة أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القوة النارية، بل على تعطيل منظومات الرصد والاتصال والمعلومات.
في هذا السياق أيضاً ظهرت تقارير تتحدث عن تطور في القدرات التقنية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة، سواء في مجال الصواريخ أو في استخدام أنظمة توجيه أكثر تقدماً تعتمد على الأقمار الصناعية. إيران كانت تعمل منذ فترة طويلة على تطوير منظوماتها العسكرية بشكل يقلل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية ، مستفيدة من علاقات تقنية مع دول أخرى في مجالات الملاحة الفضائية وأنظمة الملاحة البديلة. هذه التطورات ، حتى لو لم تغير ميزان القوة بالكامل ، فإنها تعني أن المعركة التكنولوجية أصبحت أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
في المقابل ، تشير تصريحات رسمية إيرانية إلى أن الضربات التي نفذتها خلال التصعيد الأخير استهدفت عدداً كبيراً من المواقع العسكرية في المنطقة ، بما في ذلك قواعد أو منشآت مرتبطة بالقوات الأمريكية.
مثل هذه التصريحات عادة ما تكون جزءًا من الحرب النفسية المتبادلة بين الأطراف المتحاربة ، لأن كل طرف يسعى إلى إظهار أنه ألحق أضراراً أكبر بخصمه مما يعترف به الإعلام الرسمي للطرف الآخر.
ومع ذلك فإن الواضح هو أن الولايات المتحدة بالفعل عززت اعتمادها في بعض العمليات على حاملات الطائرات والقواعد البعيدة نسبياً ، وهو ما يراه بعض المحللين مؤشراً على رغبة في تقليل المخاطر على المنشآت القريبة من مسار المواجهة.
التطور الأخطر في هذا المشهد هو انتقال الضربات العسكرية تدريجياً نحو استهداف البنية التحتية الحيوية للطرفين. فمع استمرار القتال وعدم تحقيق حسم سريع ، بدأت الضربات تطال منشآت الطاقة أو المرافق الحيوية، وهو ما يرفع مستوى المخاطر الإنسانية والبيئية.
ضرب منشآت النفط أو المرافق الصناعية الكبرى يمكن أن يخلق كوارث بيئية واسعة النطاق ، كما أن استهداف منشآت المياه أو الكهرباء قد يؤدي إلى أزمات إنسانية حادة خلال فترة قصيرة. هذه الاستراتيجية ، المعروفة في الحروب الحديثة باسم “حرب البنية التحتية”، تهدف إلى الضغط على المجتمع والاقتصاد وليس فقط على الجيش.
وسط هذه المعادلة المعقدة ، تجد دول الخليج نفسها في موقع حساس للغاية. فالكثير من القواعد العسكرية الأمريكية والمنشآت الاستراتيجية تقع داخل أراضيها أو بالقرب منها، وهو ما يجعل أي تصعيد في المنطقة يضعها تلقائياً ضمن دائرة الخطر. لذلك تحاول هذه الدول في العادة الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وبين تجنب الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة مع إيران.
بعض التصريحات الصادرة من شخصيات سياسية أو اقتصادية في المنطقة خلال الأيام الأخيرة تعكس بالفعل قلقاً متزايداً من أن تتحول أراضي الخليج إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى الكبرى.
كل هذه التطورات تضع الأطراف المتصارعة في ما يشبه حالة “الجمود العسكري” أو المواجهة المفتوحة دون حسم. في مثل هذه الحالات التاريخية ، يبدأ البحث عن خيارات جديدة لكسر حالة التوازن. البعض يتحدث عن سيناريوهات عسكرية مثل عمليات خاصة تستهدف منشآت محددة، أو محاولات للسيطرة على مواقع استراتيجية مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. لكن هذه السيناريوهات في غاية التعقيد ، لأن إيران بنت جزءاً كبيراً من منشآتها النووية داخل منشآت محصنة أو تحت الأرض ، وهو ما يجعل استهدافها عملية عسكرية شديدة الصعوبة.
هنا يظهر السيناريو الأكثر إثارة للقلق الذي يطرحه بعض المحللين، وهو احتمال التفكير في استخدام سلاح نووي تكتيكي. هذا النوع من الأسلحة يختلف عن القنابل النووية الاستراتيجية الضخمة التي صممت لتدمير مدن كاملة ، إذ تكون قوته التفجيرية أقل نسبياً ويُفترض أن يستخدم في نطاق عسكري محدود. ومع ذلك فإن استخدام أي سلاح نووي، مهما كان حجمه، سيشكل سابقة خطيرة للغاية لأنه سيكسر أحد أهم المحظورات التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
مع ذلك يجب التأكيد أن الحديث عن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة أنه قريب أو مرجح. استخدام سلاح نووي ، حتى لو كان تكتيكياً ، يحمل تبعات سياسية وعسكرية هائلة على المستوى الدولي. مثل هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام ردود فعل غير متوقعة من قوى كبرى أخرى، وقد تؤدي إلى تصعيد عالمي يصعب السيطرة عليه. لهذا السبب ظل السلاح النووي طوال العقود الماضية أداة ردع أكثر منه أداة حرب فعلية.
في النهاية تبقى الحقيقة الأساسية أن المنطقة تمر بلحظة شديدة الحساسية ، وأن حجم التصعيد الحالي يجعل كل السيناريوهات موضع نقاش في مراكز التفكير والتحليل.
ومع ذلك فإن التاريخ يوضح أن أخطر الحروب غالباً ما تتوقف في اللحظة الأخيرة عندما تدرك الأطراف أن تكلفة الاستمرار أصبحت أكبر من أي مكسب محتمل. لذلك يبقى الأمل الحقيقي أن تنجح الدبلوماسية في كبح هذا التصعيد قبل أن يتجاوز الخطوط التي لا يمكن للعالم بعدها العودة إلى ما كان عليه.



