ضربة أمريكية لقلب النفط الإيراني وتصعيد عسكري يفتح أبواب مواجهة أكبر

✍️ يوحنا عزمي
المشهد الذي يتشكل الآن في الشرق الأوسط يبدو وكأنه يتحرك بسرعة أكبر من قدرة الناس على استيعابه ، فخلال ساعات قليلة فقط وقعت تطورات عسكرية وسياسية شديدة التعقيد ، قد يكون تأثيرها أبعد بكثير مما يبدو على السطح. فقبل قليل شنت الولايات المتحدة ضربة عسكرية عنيفة استهدفت جزيرة خرج الإيرانية، وهي الجزيرة التي تُعد في الحقيقة أهم نقطة استراتيجية في الاقتصاد الإيراني كله ، بينما في المقابل بدأت إيران بالفعل تحركات تصعيدية خطيرة ، سواء على مستوى استهداف الطائرات العسكرية الأمريكية في الخليج أو التلويح بضرب شركات التكنولوجيا الأمريكية المنتشرة في المنطقة ، الأمر الذي يجعل المنطقة كلها تقف على حافة مرحلة جديدة من التصعيد قد تتجاوز ما شهدناه في الأيام الماضية.
فبحسب المعلومات المتداولة ، نفذت قاذفات الشبح الأمريكية من طراز B-2 Stealth غارات جوية ضخمة استهدفت جزيرة خرج الإيرانية، وقد وصفت القيادة المركزية الأمريكية هذه الضربة بأنها من أعنف العمليات الجوية التي شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة.
اللافت أن التصريحات التي خرجت بعد الضربة كانت حادة للغاية، إذ أشار دونالد ترامب في تعليق نشره على منصة “تروث سوشيال” إلى أن الهجوم تمكن من محو جميع الأهداف العسكرية الموجودة على الجزيرة تقريباً، في إشارة واضحة إلى أن الضربة لم تكن مجرد رسالة سياسية، بل محاولة حقيقية لإلحاق ضرر استراتيجي بالبنية الدفاعية الإيرانية في تلك المنطقة الحساسة.
لكن لفهم خطورة ما حدث ، يجب أولاً إدراك طبيعة جزيرة خرج نفسها. فهذه الجزيرة ليست مجرد موقع عسكري أو نقطة جغرافية عادية داخل الأراضي الإيرانية ، بل تمثل عمليًا الشريان الحيوي الذي يتنفس منه الاقتصاد الإيراني.
فمن خلال هذه الجزيرة يمر الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية إلى العالم ، وخصوصًا إلى الصين التي تُعد أحد أكبر المشترين للنفط الإيراني. وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من تسعين في المئة من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر هذه الجزيرة، وهو ما يعني أن أي تعطيل حقيقي لعملها يمكن أن يضع الاقتصاد الإيراني بأكمله تحت ضغط هائل، وقد يؤدي إلى شلل كبير في قدرة طهران على تصدير النفط أو التحكم في تدفقه إلى الأسواق العالمية.
ومن هنا يصبح الهدف من الضربة الأمريكية أكثر وضوحاً. فالإدارة الأمريكية ، وبخاصة ترامب ، تسعى على ما يبدو إلى خنق إيران اقتصاديًا قبل أي شيء آخر. فالمعركة هنا لا تدور فقط بالصواريخ والطائرات ، بل أيضاً بالاقتصاد والطاقة وأسواق النفط العالمية.
ويأتي هذا التصعيد في توقيت حساس للغاية ، خصوصاً بعد بعض المؤشرات التي أظهرت أن إيران بدأت تحقق اختراقات سياسية وإعلامية في الساحة الدولية ، وخاصة في أوروبا. فقد سمحت طهران مؤخراً بمرور سفينة تركية عبر مضيق هرمز، وهو ما اعتبره البعض رسالة حسن نية تجاه أنقرة، خاصة بعد التوترات التي أثيرت حول استهدافات صاروخية في المنطقة قيل إن تركيا قد تكون ضمن نطاقها. كما ترددت تقارير غير مؤكدة بعد ذلك عن سماح إيران أيضاً بمرور سفينة إسبانية ، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لكسب تعاطف بعض الدول الأوروبية التي بدأت تتخذ مواقف أكثر تحفظاً تجاه السياسات الأمريكية.
هذا التحرك الإيراني أثار قلقًا كبيراً لدى واشنطن، لأن أوروبا تمر حاليًا بواحدة من أصعب أزماتها في مجال الطاقة. فالإمدادات القادمة من الخليج تواجه اضطرابات كبيرة بسبب التوترات العسكرية ، بينما لا تزال العلاقات مع روسيا في مجال الطاقة معقدة ، كما أن الاعتماد على مصادر أخرى لم يعد كافيًا لسد احتياجات القارة.
وهذا يعني أن الأوروبيين قد يجدون أنفسهم خلال فترة قصيرة أمام أزمة حقيقية في الغاز والطاقة ، وهو ما قد يدفع بعض الحكومات الأوروبية إلى محاولة فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إيران لضمان مرور سفنها عبر مضيق هرمز. ولو حدث ذلك بالفعل ، فقد يمنح طهران شرعية دولية أكبر ويعزز موقفها في المعركة السياسية والإعلامية الدائرة حالياً.
وتشير بعض التقارير بالفعل إلى أن دولًا مثل فرنسا وإيطاليا بدأت في إجراء اتصالات غير مباشرة مع الجانب الإيراني بهدف ضمان سلامة حركة سفنها التجارية. بل إن هناك معلومات أخرى تتحدث عن أن صادرات النفط الإيرانية لم تتراجع كما كان متوقعاً رغم الحرب ، بل ربما ارتفعت في بعض الفترات ، خاصة مع استمرار تدفق النفط الإيراني إلى الصين بمعدلات كبيرة وصلت إلى أكثر من مليوني برميل يومياً. كل هذه المؤشرات ربما دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ قرار بضربة مباشرة تستهدف قلب منظومة التصدير الإيرانية في جزيرة خرج، في محاولة لشل قدرة طهران على الاستفادة من هذه الظروف الدولية المعقدة.
ورغم أن ترامب أشار في تصريحاته إلى أن الضربة لم تستهدف البنية التحتية النفطية نفسها، بل ركزت على الأهداف العسكرية فقط، فإنه لوّح في الوقت ذاته بإمكانية توسيع نطاق العمليات في حال استمرار التصعيد الإيراني. فقد قال بوضوح إن المنشآت النفطية الإيرانية قد تصبح هدفاً مباشراً في المرحلة المقبلة إذا لم تتوقف طهران عن تحركاتها، وهو تهديد يحمل في طياته خطورة هائلة ، لأن ضرب البنية النفطية الإيرانية قد يؤدي إلى اضطرابات ضخمة في سوق الطاقة العالمي وليس فقط داخل إيران.
وفي الوقت نفسه تتحدث تقارير صحفية عن تحركات عسكرية أمريكية إضافية في المنطقة، حيث بدأت الولايات المتحدة بالفعل إرسال قوة مهام برمائية تضم نحو خمسة آلاف جندي ، إلى جانب سفن حربية جديدة وحاملة الطائرات USS Tripoli التي كانت متمركزة في اليابان. وتشير التقديرات إلى أن المهمة الأساسية لهذه القوة قد تكون تأمين مضيق هرمز وفتح الممر الملاحي بالقوة إذا لزم الأمر، خاصة في حال قررت إيران تعطيل الملاحة هناك. بل إن بعض التحليلات لا تستبعد سيناريو أكثر خطورة يتمثل في محاولة تنفيذ عملية إنزال عسكري على جزيرة خرج نفسها للسيطرة عليها أو تحييدها بشكل كامل.
لكن إيران لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التصعيد. فالتقارير القادمة من المنطقة تشير إلى أن الحرس الثوري الإيراني بدأ بالفعل تنفيذ سلسلة من الردود العسكرية التي توصف بأنها من الأعنف منذ بداية الحرب. فقد أعلنت طهران إطلاق موجة من الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل ، حيث تشير المعلومات إلى أن نحو ثلاثين صاروخًا باليستيًا تم إطلاقها دفعة واحدة ، وأن الرأس المتفجر لبعض هذه الصواريخ قد يصل وزنه إلى طنين ، وهو ما يعني قدرة تدميرية هائلة. وقد سقطت هذه الصواريخ في مناطق متعددة من بينها اللد والنقب ، فيما تحدثت تقارير إعلامية عبرية عن أضرار واسعة امتدت لمساحات كبيرة.
وفي تطور آخر بالغ الحساسية ، تحدثت تقارير صحفية عن تعرض خمس طائرات أمريكية للتزويد بالوقود لضربات داخل قاعدة الأمير سلطان في السعودية ، وهي طائرات حيوية بالنسبة للعمليات الجوية الأمريكية لأنها تسمح للمقاتلات بالبقاء لفترات أطول في الجو. وإذا تأكدت الأضرار التي لحقت بهذه الطائرات ، فإن ذلك قد يمثل ضربة كبيرة للقدرة العملياتية للقوات الأمريكية في المنطقة.
كما وردت تقارير أخرى عن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مناطق اقتصادية في الخليج ، من بينها منطقة مركز دبي المالي العالمي، حيث قيل إن الهجوم تسبب في أضرار كبيرة. وفي الوقت ذاته أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه يدرس توسيع نطاق الاستهداف ليشمل الشركات الأمريكية الكبرى العاملة في مدن الخليج، مثل دبي والرياض والدوحة والمنامة والكويت ومسقط، وأصدر تحذيرات تدعو المدنيين إلى الابتعاد عن مقرات هذه الشركات.
وتضم قائمة الشركات التي قد تكون عرضة للاستهداف أسماء عملاقة في عالم التكنولوجيا مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل وآبل وإنتل وأوراكل وأدوبي وسيلزفورس وكوالكوم وغيرها من الشركات التي تمتلك مكاتب ومراكز أعمال في المنطقة. وإذا تحولت هذه التهديدات إلى واقع فعلي ، فقد يؤدي ذلك إلى موجة اضطرابات اقتصادية كبيرة في أسواق الخليج.
وفي ظل هذا التصعيد المتسارع ، تبقى الصورة مفتوحة على احتمالات كثيرة خلال الساعات القادمة. فهناك تقارير تحدثت عن ضربات قوية استهدفت مدينة قم الإيرانية باستخدام قنابل شديدة التدمير، كما تشير المعلومات إلى أن عدة مدن إيرانية تتعرض حاليًا لسلسلة من الهجمات. ومع استمرار تبادل الضربات والتهديدات بين الطرفين، يبدو أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الخطورة قد تعيد رسم ملامح الصراع في الشرق الأوسط كله، وربما تفتح الباب أمام تطورات أكبر يصعب التنبؤ بحدودها.



