مضيق هرمز يشعل معركة العملات والطاقة

✍️ يوحنا عزمي
ما يحدث الآن في الشرق الأوسط لم يعد مجرد جولة عسكرية تقليدية بين أطراف إقليمية متصارعة ، بل بدأ يأخذ ملامح أزمة استراتيجية أوسع بكثير قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي نفسه.
فخلال الساعات الأخيرة ظهرت مؤشرات جديدة توحي بأن الصراع يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، ليصبح جزءًا من صراع أوسع بين القوى الكبرى التي تتحرك عبر ساحات إقليمية، بينما تتحول منطقة الخليج وإيران إلى مسرح لهذا التنافس الدولي المعقد.
في قلب هذه التطورات برزت خطوة إيرانية لافتة للغاية ، حيث أعلنت طهران أنها تدرس السماح لناقلات النفط بالمرور بأمان عبر مضيق هرمز، ولكن بشرط غير تقليدي على الإطلاق.
الشرط الذي طرحته إيران يتمثل في أن تتم المعاملات التجارية المتعلقة بالنفط العابر للمضيق باستخدام اليوان الصيني بدلًا من الدولار الأمريكي. الفكرة هنا لا تتعلق بفرض رسوم مرور على السفن، فالمضيق أساسًا ممر مائي دولي لا تُفرض عليه مثل هذه الرسوم، بل تتعلق بطريقة تسوية المدفوعات التجارية بين الدول والشركات التي تتعامل في النفط والغاز. بمعنى آخر ، إذا أرادت الدول ضمان مرور سفنها بأمان ، فإنها قد تجد نفسها مضطرة لإجراء عمليات البيع والشراء بالعملة الصينية، وهو تحول قد يبدو تقنياً في ظاهره لكنه يحمل دلالات استراتيجية ضخمة.
هذا الطرح ، إذا تحقق فعليًا، قد يمثل ضربة مباشرة لفكرة “البترودولار” التي ظلت لعقود طويلة إحدى الركائز الأساسية للهيمنة الاقتصادية الأمريكية على النظام المالي العالمي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ارتبطت تجارة النفط العالمية بالدولار، وهو ما منح الولايات المتحدة قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد الدولي ، لأن أغلب الدول تحتاج إلى الدولار لشراء الطاقة.
لكن إدخال عملة بديلة في تجارة النفط، ولو بشكل تدريجي أو محدود، قد يفتح الباب أمام نظام مالي أكثر تعددية، وهو أمر تسعى إليه قوى مثل الصين ودول تجمع بريكس منذ سنوات طويلة.
وفي هذا السياق يرى كثير من المراقبين أن بكين قد تجد في ظروف الحرب الحالية فرصة نادرة لتسريع مشروعها الرامي إلى تعزيز مكانة عملتها عالمياً. فالصين تعمل منذ سنوات على تطوير بنية مالية وتقنية تسمح باستخدام اليوان في التجارة الدولية على نطاق أوسع، كما تحاول ربط عملتها بأنظمة تسوية مالية جديدة تقلل الاعتماد على النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة. ومع اعتماد العالم الشديد على النفط والغاز، قد تصبح الطاقة الأداة الأهم لإحداث تحول تدريجي في النظام النقدي العالمي.
اللافت أيضاً أن بعض الدول بدأت بالفعل في التواصل مع طهران لضمان استمرار تدفق الطاقة إلى اقتصاداتها. تقارير عدة تحدثت عن تحركات دبلوماسية من دول أوروبية وآسيوية مثل فرنسا وإيطاليا والهند لبحث آليات تضمن مرور سفنها النفطية في ظل التوتر المتصاعد في الخليج. كما يُتوقع أن تنضم دول أخرى في شرق آسيا إلى مثل هذه المفاوضات، خاصة أن العديد من هذه الاقتصادات تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة من المنطقة، وأي تعطيل طويل لحركة النفط قد يؤدي إلى أزمات
طاقة حادة داخلها.
هذه التحركات تعكس واقعاً سياسياً واقتصادياً معروفًا في العلاقات الدولية، وهو أن الدول غالبًا ما تتحرك وفق مصالحها المباشرة حتى لو تعارضت مع مواقف الحلفاء التقليديين. فإذا شعرت بعض الدول أن أمنها الطاقي مهدد، فقد تلجأ إلى ترتيبات خاصة تضمن استمرار الإمدادات، حتى لو كان ذلك يعني التعامل مع شروط جديدة أو غير مألوفة.
في المقابل ، تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الحرب الحالية بدأت بالفعل تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي. فقد شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة منذ اندلاع المواجهات، وتحدثت تقارير عن خسائر كبيرة في البورصات العالمية ، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين على ناقلات النفط. كما أن العمليات العسكرية نفسها تمثل عبئاً مالياً ضخماً على الدول المشاركة فيها ، إذ تُقدر تكاليف بعض العمليات العسكرية بمئات الملايين يوميًا، بينما تتضاعف الخسائر غير المباشرة نتيجة اضطراب التجارة والطاقة.
وإذا استمر الصراع لفترة طويلة ، فإن تداعياته الاقتصادية قد تصبح أكثر عمقاً ، ليس فقط على الدول المتحاربة ، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله. فأسواق الطاقة مترابطة بشكل شديد الحساسية، وأي اضطراب في أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط ، مثل مضيق هرمز ، قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار ويؤثر في سلاسل الإمداد العالمية.
من ناحية أخرى ، ينظر بعض المحللين إلى هذه الأزمة في إطار أوسع يتجاوز الشرق الأوسط ، ويربطونها بالتنافس المتصاعد بين القوى الكبرى في العالم. فخلال السنوات الأخيرة شهد النظام الدولي توترًا متزايدًا بين الولايات المتحدة من جهة ، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى. وقد تجلى هذا التوتر في عدة ساحات، مثل الحرب في أوكرانيا والصراع الاقتصادي والتكنولوجي بين واشنطن وبكين. وفي هذا السياق يرى البعض أن الشرق الأوسط أصبح إحدى ساحات هذا التنافس، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية والاقتصادية للدول الكبرى.
ومع تصاعد التوتر في الخليج ، بدأت الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، عبر تحريك قوات إضافية وإعادة نشر بعض القطع البحرية والجوية بهدف حماية الملاحة في الممرات الحيوية وردع أي تهديد محتمل لها. مثل هذه التحركات العسكرية عادة ما تكون جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على استقرار خطوط التجارة العالمية، لكنها في الوقت نفسه تعكس حجم القلق من احتمال توسع الصراع.
التطورات لم تقتصر على الشرق الأوسط فقط، بل امتدت انعكاساتها إلى مناطق أخرى في العالم. ففي شرق آسيا، على سبيل المثال، جاءت تقارير عن تجارب صاروخية أجرتها كوريا الشمالية في بحر اليابان ، وهو ما اعتبره بعض المراقبين رسالة سياسية وعسكرية في لحظة ينشغل فيها جزء كبير من الاهتمام الأمريكي بالأزمة في الخليج. مثل هذه التحركات غالبًا ما تُفسَّر على أنها استعراض للقوة أو محاولة لاختبار ردود الفعل الدولية في ظل انشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى.
كل هذه الأحداث المتشابكة تعطي انطباعاً بأن العالم يمر بمرحلة انتقالية معقدة، حيث تتقاطع الحروب الإقليمية مع التنافس بين القوى الكبرى، بينما تتأثر الأسواق والاقتصادات العالمية بسرعة بأي تغير في موازين القوى أو طرق التجارة والطاقة. لذلك فإن ما يجري اليوم لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل هو جزء من تحولات أعمق قد تعيد تشكيل العلاقات الدولية والنظام الاقتصادي العالمي خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل هذه الصورة الواسعة ، يبقى السؤال الأكبر هو إلى أي مدى يمكن أن يتوسع هذا الصراع ، وهل ستنجح الجهود الدبلوماسية في احتوائه قبل أن يتحول إلى أزمة دولية أكبر. فالتاريخ يظهر أن الحروب التي تبدأ في مناطق حساسة جيوسياسياً ، مثل الخليج ، كثيرًا ما تتجاوز حدودها الجغرافية لتؤثر في العالم بأسره ، خصوصاً عندما تكون الطاقة والتجارة الدولية جزءًا أساسياً من معادلة الصراع.



