لماذا يخشى العسكريون في الغرب “العقيدة الفسيفسائية” لإيران؟

✍️ يوحنا عزمي
الحقيقة إن صورة الجيش الإيراني أعقد بكتير مما يظهر في الأخبار أو التحليلات السريعة. معظم الناس شايفة حالة ارتباك أو ضعف في المعسكر الأمريكي ، لكن لما تبص بعمق في بنية القوة العسكرية الإيرانية تلاقي نظام مختلف تمامًا عن الجيوش التقليدية ، ومليان أفكار غير مألوفة. المدهش إن كثير من المعلومات عن هذا النظام جاءت أصلاً من دراسات وتحليلات لخصوم إيران أنفسهم في المراكز العسكرية الغربية.
أول مفاجأة إن إيران عملياً لا تعتمد على جيش واحد كما يحدث في أغلب الدول ، بل على منظومتين عسكريتين تعملان بالتوازي. هناك الجيش النظامي المعروف باسم “أرتش”، وهو القوة التقليدية التي تضم القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي ، ويعمل كأي جيش كلاسيكي في العالم. إلى جانبه يقف الحرس الثوري، الذي تأسس بعد الثورة عام 1979 عندما كان هناك شك في ولاء الجيش القديم للنظام الجديد. الحرس الثوري تحول مع الوقت إلى مؤسسة عسكرية موازية ، لكن بطابع عقائدي وتقني مختلف ، وله قواته الخاصة ووحداته البحرية والجوية وقوة الفضاء إضافة إلى فيلق القدس المسؤول عن العمليات الخارجية ، ومعه أيضاً قوات “الباسيج” التي تمثل شبكة ضخمة من المتطوعين.
هذا الازدواج العسكري لم يكن مجرد صدفة ، بل جزء من تصميم يهدف إلى ضمان بقاء الدولة في حالة تعرضها لصدمة عسكرية كبيرة. وجود مؤسستين عسكريتين يعني ببساطة أنه لا توجد نقطة انهيار واحدة يمكن ضربها فتتوقف المنظومة بالكامل. إذا تعطلت إحدى المؤسستين تستطيع الأخرى الإستمرار في القيادة والعمل.
لكن الفكرة الأكثر إثارة في بنية الجيش الإيراني ظهرت مع الجنرال الإيراني محمد علي جعفري، الذي طرح منذ منتصف العقد الأول من الألفية تصوراً مختلفاً لتنظيم الجيوش عُرف باسم “عقيدة الدفاع الفسيفسائي”. الفكرة ببساطة تقوم على تفكيك الجيش إلى شبكة من القيادات الإقليمية المستقلة بدل الاعتماد الكامل على قيادة مركزية واحدة. إيران قُسمت إلى عشرات القيادات العسكرية المرتبطة بالمحافظات ، وكل قيادة تمتلك قدراً كبيراً من الاستقلال في إتخاذ القرار.
هذه اللامركزية تبدو غريبة بالنسبة للجيوش التقليدية التي تعتمد على التسلسل القيادي الصارم ، لكنها تمنح ميزة كبيرة في حالة الحروب الحديثة، خاصة عندما تكون الاتصالات معرضة للتشويش أو عندما تُستهدف القيادات العليا بعمليات اغتيال.
في هذا النموذج لا يؤدي سقوط قائد كبير إلى شلل النظام ، لأن كل منطقة لديها قيادة قادرة على العمل بشكل مستقل. لهذا السبب يرى بعض المحللين أن هذه الفكرة تتناسب أكثر مع عصر الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، حيث تصبح الوحدات الصغيرة القادرة على اتخاذ القرار بسرعة أكثر فاعلية من الجيوش الثقيلة البطيئة.
الإستراتيجية الإيرانية لا تقوم على مواجهة تقليدية واسعة مثل معارك الدبابات الضخمة ، بل على ما يسمى بالحرب غير المتكافئة. الفكرة هنا هي استخدام أدوات رخيصة نسبياً لكنها قادرة على إرباك خصم يمتلك تفوقاً تقنياً كبيراً. لذلك ركزت إيران خلال العقود الماضية على تطوير الطائرات المسيرة الانتحارية والقوارب السريعة وأنظمة الهجوم الجماعي التي تعتمد على “الحشد”. في هذا النوع من العمليات قد يطلق عدد كبير من المسيرات الرخيصة نحو هدف باهظ الثمن مثل رادار متطور أو منظومة دفاع جوي، فيجد الخصم نفسه مضطرًا لاستخدام صواريخ دفاعية تكلف ملايين الدولارات لاعتراض أهداف تكلف بضعة آلاف فقط.
الوضع نفسه يظهر في البحر. بدلاً من الاعتماد فقط على السفن الكبيرة ، طورت إيران أسطولًا من الزوارق السريعة الصغيرة المسلحة، القادرة على العمل بأعداد كبيرة في المساحات الضيقة مثل مضيق هرمز. هذه الزوارق يمكن أن تتحرك بشكل جماعي في وقت واحد ، ما يجعل التعامل معها أصعب بكثير من مواجهة سفينة حربية واحدة واضحة الهدف.
جانب آخر مهم في التفكير العسكري الإيراني هو الاستعداد لحرب طويلة إذا تعرضت البلاد لغزو بري. الفكرة هنا ليست الدفاع عن كل شبر من الأرض، بل امتصاص الصدمة الأولى ثم التحول إلى شبكة مقاومة موزعة جغرافيًا. الطبيعة الجبلية لإيران والكثافة السكانية الكبيرة تمنحها ظروفاً مختلفة عن دول كثيرة شهدت حروباً مماثلة. في مثل هذا السيناريو قد تتراجع القوات النظامية إلى العمق بينما تتحول القيادات الإقليمية إلى مراكز مقاومة مستقلة تعمل لفترات طويلة دون الحاجة إلى اتصال دائم بالقيادة العليا.
ضمن هذا التصور أيضاً توجد فكرة “الخلافة القيادية المتعددة”. أي أن القيادة لا تعتمد على شخص واحد ، بل على دوائر قيادية متدرجة. إذا سقط قائد في المعركة ينتقل القرار فورًا إلى البديل التالي دون فراغ في السلطة أو ارتباك في الأوامر. هذه الطريقة تجعل عمليات اغتيال القادة أقل تأثيراً مما هو معتاد في الجيوش التقليدية.
كما أن إيران لم تكتف ببناء قدراتها داخل حدودها ، بل عملت على إنشاء شبكة حلفاء وقوى مسلحة في عدة مناطق من الشرق الأوسط. هذا ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بمفهوم “العمق الاستراتيجي”، أي نقل جزء من خطوط المواجهة إلى خارج الحدود بحيث لا تكون المعركة محصورة داخل الدولة نفسها. وجود قوى حليفة في مناطق مختلفة يخلق طبقات إضافية من الضغط على أي خصم ويحوله إلى صراع واسع بدل معركة واحدة مباشرة.
كل هذه العناصر مجتمعة ترسم صورة لجيش مختلف عن النموذج التقليدي الذي اعتدنا رؤيته في الجيوش الكبرى. الفكرة الأساسية ليست التفوق التكنولوجي الكامل ، بل القدرة على الاستمرار والمرونة وتحويل نقاط القوة لدى الخصم إلى عبء عليه.
ولهذا يرى بعض المحللين أن إيران لا تبني جيشاً مصمماً للانتصار السريع في حرب تقليدية، بل جيشاً مصمماً للصمود الطويل وإدارة حرب استنزاف قد تستمر سنوات إذا فُرضت عليها.



