تأثير الحرب الأمريكية ـ الإيرانية علي التضخم في العالم

بقلم : يوحنا عزمي
كيف تتحول شرارة الصراع في الخليج إلى موجة أسعار تضرب موائد العالم كله

في أي مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ، لا تكون ساحات القتال وحدها هي التي تشتعل ، بل تمتد ألسنة اللهب سريعاً إلى الأسواق ، والموانئ ، وشاشات البورصات ، وسلاسل الإمداد ، لتصيب الإقتصاد العالمي في نقطة شديدة الحساسية : التضخم.
الحرب بين واشنطن وطهران ـ إن تحولت من صراع ظل إلى صدام مباشر ـ لن تكون حرب صواريخ فقط ، بل حرب أسعار ، وحرب طاقة ، وحرب نقل ، وحرب عملات ، وحرب معيشة يومية يدفع ثمنها المستهلك العادي في كل قارات العالم.
أول ضحايا هذه المواجهة سيكون النفط. فالعالم يمر عبر شريان حيوي اسمه مضيق هرمز، يمر منه نحو خُمس تجارة النفط العالمية. أي تهديد لهذا الممر ، حتى لو لم يُغلق فعلياً ، يكفي لخلق ذعر فوري في أسواق الطاقة. شركات التأمين ترفع الأسعار ، شركات الشحن تغيّر مساراتها ، والمضاربون يرفعون العقود الآجلة ، فتقفز الأسعار خلال ساعات.
ومع ارتفاع النفط ، ترتفع تلقائياً تكلفة كل شيء : النقل ، الشحن، الكهرباء ، الإنتاج الصناعي ، الزراعة ، وحتى الخدمات. هنا يبدأ التضخم في الانتشار مثل موجة صامتة تضرب كل السلع دون استثناء.
الخطورة أن العالم لم يتعافَ بعد بشكل كامل من موجات التضخم التي أعقبت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا. أي صدمة جديدة في الطاقة تعني إعادة إشعال نار كانت بالكاد قد هدأت. الدول المستوردة للطاقة ـ في آسيا وأوروبا وأفريقيا ـ ستكون الأكثر تضرراً ، لأن فواتير الاستيراد سترتفع بينما العملات المحلية تضعف أمام الدولار.
الدولار نفسه سيكون لاعباً رئيسياً في هذه الأزمة. في أوقات الحروب ، يهرب المستثمرون إلى العملة الأمريكية باعتبارها ملاذاً آمناً. هذا الارتفاع في قيمة الدولار يجعل الواردات أكثر كلفة على بقية دول العالم ، فيضيف طبقة جديدة من التضخم فوق الطبقة الأصلية الناتجة عن الطاقة.
ثم تأتي سلاسل الإمداد. أي اضطراب عسكري في الخليج يعني تعطّل موانئ ، تأخر شحنات ، نقص مواد خام، وتأجيل إنتاج. المصانع في أوروبا قد تتوقف بسبب نقص مكوّنات تأتي من آسيا، وأسواق أفريقيا قد تعاني من نقص السلع الأساسية بسبب ارتفاع تكلفة النقل البحري.
النتيجة النهائية : تضخم مركب. تضخم طاقة ـ تضخم نقل ـ تضخم عملة ـ تضخم نقص معروض.
منظمة أوبك ستجد نفسها في قلب العاصفة. أي قرار بزيادة أو خفض الإنتاج سيصبح قرارًا سياسياً بامتياز ، وقد لا يكون كافياً لتهدئة الأسواق إذا كان الخطر عسكرياً ومباشراً.
أما المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فستواجه موجة جديدة من طلبات القروض من دول تعاني من عجز مفاجئ في الميزانيات بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد ودعم السلع.
التضخم هنا لا يصبح رقمًا اقتصادياً في تقارير رسمية ، بل يتحول إلى أزمة معيشة: أسعار غذاء ترتفع، أسعار وقود تقفز، تكلفة كهرباء تزيد ، وتآكل سريع في القدرة الشرائية للمواطنين. في بعض الدول الهشة اقتصادياً ، قد يتحول الأمر إلى اضطرابات اجتماعية.
المفارقة أن هذه الحرب — حتى لو كانت محدودة جغرافياً ـ قد تُحدث أثراً تضخمياً عالمياً أكبر من حروب واسعة ، لأن موقعها الجغرافي يمس قلب تجارة الطاقة العالمية.
ولهذا ، فإن السؤال الحقيقي ليس : هل ستندلع الحرب؟
بل : هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل موجة تضخم جديدة بهذا الحجم؟
لأن الرصاصة الأولى قد تُطلق في الخليج.
لكن فاتورة الأسعار سيدفعها العالم كله.



