مقالات

فضيحة التجسس التي هزت واشنطن .. هل بدأت أزمة الثقة بين أمريكا وإسرائيل؟

✍️ يوحنا عزمي

في عالم السياسة لا تكمن أهمية الحدث فقط فيما يقع على الأرض، وإنما في ما يكشفه من تصدعات داخل التحالفات التي تبدو للوهلة الأولى صلبة وغير قابلة للاهتزاز. ومن هنا تأتي خطورة ما يتردد داخل الأوساط السياسية والأمنية الأمريكية بشأن اتهامات موجهة لإسرائيل بمراقبة دوائر مرتبطة بإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبالأخص الشخصيات المنخرطة في مسارات التفاوض الخاصة بالملف الإيراني.

فإذا صحت هذه المعلومات ، فإن القضية تتجاوز كثيرًا فكرة التجسس التقليدي بين الدول الحليفة، لتصل إلى مستوى أزمة ثقة حقيقية داخل أحد أهم التحالفات الاستراتيجية في العالم. فالعلاقة الأمريكية الإسرائيلية قامت لعقود طويلة على قاعدة المصالح المشتركة والتنسيق الأمني العميق، ورغم أن التاريخ شهد بين الحين والآخر توترات مرتبطة بالعمل الاستخباراتي، فإن الجديد هذه المرة هو أن الحديث يدور حول محاولة التأثير في ملف تعتبره واشنطن جزءًا من أمنها القومي وحساباتها الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط.

المعضلة هنا أن إسرائيل تنظر إلى أي تفاهم أمريكي مع إيران من زاوية مختلفة تمامًا عن الرؤية الأمريكية. فبينما تسعى واشنطن غالبًا إلى إدارة الصراع واحتواء المخاطر وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة، تنظر إسرائيل إلى البرنامج الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران باعتبارهما تهديدًا وجوديًا لا يحتمل التسويات أو الحلول الوسط. ومن هذه الزاوية يمكن فهم أسباب القلق الإسرائيلي من أي مفاوضات قد تنتهي إلى ترتيبات لا تلبي كامل المطالب الأمنية الإسرائيلية.

لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن تداعيات القضية لا تتوقف عند حدود الخلاف حول إيران فقط، بل تمتد إلى مستقبل التنسيق العسكري والاستخباراتي بين البلدين. فعندما تبدأ مؤسسات الأمن الأمريكية في الحديث عن إعادة تقييم مستويات المخاطر أو مراجعة آليات تبادل المعلومات، فإننا نكون أمام مؤشر على وجود حالة من عدم الارتياح داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، حتى وإن حرص الطرفان على إبقاء الخلافات بعيدًا عن الإعلام قدر الإمكان.

وفي تقديري، فإن السبب الأعمق وراء حساسية هذا الملف يكمن في شعور متزايد داخل بعض الدوائر الأمريكية بأن المصالح الإسرائيلية لم تعد دائمًا متطابقة مع المصالح الأمريكية، وأن واشنطن قد تجد نفسها أحيانًا مدفوعة نحو مسارات تصعيد لا تخدم أولوياتها الداخلية أو الدولية. هذا الجدل ليس جديدًا، لكنه عاد بقوة بعد سلسلة الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والتي دفعت قطاعات من الرأي العام الأمريكي إلى التساؤل حول حدود الالتزام الأمريكي تجاه إسرائيل وتكلفته السياسية والاقتصادية.

ومن زاوية أخرى، فإن القضية تأتي في توقيت يشهد تحولات اجتماعية وسياسية داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وخصوصًا داخل الأجيال الشابة. فالصورة التقليدية التي كانت سائدة لعقود حول إسرائيل داخل الجامعات والمؤسسات الفكرية الأمريكية لم تعد كما كانت. هناك جيل جديد ينظر إلى الصراع في الشرق الأوسط بعين مختلفة، ويتعامل مع إسرائيل بوصفها دولة قوية تمتلك قدرات عسكرية وسياسية هائلة، وليس باعتبارها الطرف الضعيف الذي يحتاج إلى دعم غير مشروط. هذه التحولات لا تعني بالضرورة انهيار الدعم الأمريكي لإسرائيل، لكنها تعني أن هذا الدعم لم يعد يحظى بالإجماع نفسه الذي كان قائمًا في العقود السابقة.

ولهذا تبدو المخاوف الإسرائيلية مفهومة من اتساع الفجوة بينها وبين قطاعات من الشباب الأمريكي، خاصة داخل الجامعات ومراكز التأثير الثقافي والفكري. فالمعركة الحقيقية بالنسبة لإسرائيل لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية أو الأمنية، وإنما أصبحت معركة على الرواية والصورة الذهنية والنفوذ السياسي داخل المجتمع الأمريكي ذاته.

في النهاية، قد تمر هذه الأزمة كما مرت أزمات سابقة بين واشنطن وتل أبيب، وقد يتم احتواؤها خلف الأبواب المغلقة حفاظًا على المصالح الاستراتيجية المشتركة. لكن المؤكد أن ما يحدث اليوم يكشف أن التحالفات الكبرى ليست بمنأى عن الشكوك والخلافات، وأن المصالح مهما بدت متطابقة يمكن أن تتصادم عندما يشعر كل طرف بأن أمنه ومستقبله يتطلبان مسارًا مختلفًا عن الآخر. وربما تكون الرسالة الأهم التي تكشفها هذه التطورات أن السياسة الدولية لا تعرف صداقات دائمة بقدر ما تعرف مصالح دائمة، وأن التحالفات الأقوى هي تلك القادرة على تجاوز أزماتها دون أن تفقد أسس الثقة التي قامت عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى