هل بدأ العد التنازلي لحرب إقليمية واسعة؟

✍️ يوحنا عزمي
منذ سنوات ، لم تكن منطقة الشرق الأوسط تقف على حافة مواجهة بهذا القدر من التعقيد والتداخل كما تقف اليوم. فكل ساعة تمر تحمل معها رواية جديدة، وتسريبًا مختلفًا، وتصريحًا أكثر حدة من سابقه، حتى أصبح المشهد أشبه برقعة شطرنج تتحرك عليها القوى الكبرى والإقليمية في وقت واحد ، بينما يراقب العالم ما يجري وسط انشغال واسع بأحداث أخرى ، وكأن المنطقة تتجه نحو منعطف تاريخي دون أن يحظى ذلك بالاهتمام الذي يستحقه.
وخلال الساعات الماضية، تداولت وسائل إعلام ومنصات مختلفة أنباء متلاحقة، كان أبرزها الحديث عن وفاة السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام بعد ما وُصف بـ”مرض قصير ومفاجئ”، وهو أحد أبرز السياسيين الأمريكيين المعروفين بتأييدهم المطلق لإسرائيل ومواقفهم المتشددة تجاه إيران وغزة. وجاء تداول هذا الخبر متزامنا ، مع تصريحات نُسبت إلى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي ، تحدث فيها عن ملاحقة كل من شارك أو ساهم في اغتيال المرشد السابق علي خامنئي ، وهو ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات والتفسيرات ، رغم غياب أي دليل يربط بين الحدثين بشكل مباشر.
وفي الوقت نفسه، تتحدث تقارير متداولة عن تصعيد عسكري واسع النطاق شمل استهداف قواعد أمريكية في أكثر من دولة خليجية، بينها قطر والإمارات والبحرين والكويت والأردن وسلطنة عُمان ، في تطور ـ إن ثبتت صحته ـ يمثل تحولًا نوعياً في طبيعة المواجهة ، لأن الرسالة هذه المرة لا تستهدف موقعاً واحداً أو قاعدة بعينها ، وإنما تشير إلى محاولة توسيع نطاق الاشتباك ليشمل كامل البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة.
هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الأشهر الماضية، التي شهدت تصاعداً مستمراً في الضربات المتبادلة بين واشنطن وطهران ، سواء بصورة مباشرة أو عبر ساحات نفوذ مختلفة. فقد اتهمت الولايات المتحدة إيران بتهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز واستهداف سفن تجارية ، بينما اعتبرت طهران أن الوجود العسكري الأمريكي يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي ، وأن الضربات الأمريكية الأخيرة تجاوزت كل الخطوط التي كانت تضبط إيقاع الصراع.
من هنا، تبدو الأزمة وكأنها انتقلت من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة كسر قواعد الاشتباك. فعندما تتراجع الثقة بالكامل بين طرفين يمتلكان قدرات عسكرية هائلة، تصبح احتمالات الخطأ في الحسابات أكبر من أي وقت مضى، وقد تتحول شرارة صغيرة إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
التصريحات الأخيرة المنسوبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والتي تحدث فيها عن تلقيه تهديدات إيرانية باغتياله، وأنه أصدر تعليمات مسبقة برد عسكري واسع إذا تعرض لأي استهداف، تعكس حجم التوتر الذي يسيطر على دوائر صنع القرار في واشنطن. وفي المقابل، فإن الخطاب الإيراني الأخير يوحي بأن القيادة الجديدة تسعى إلى إظهار قدر أكبر من الحسم، سواء لإعادة تثبيت هيبتها داخلياً أو لإرسال رسالة ردع إلى خصومها في الخارج.
وهنا يبرز سؤال أكثر أهمية من تفاصيل الضربات العسكرية نفسها: هل ما نشهده مجرد جولة جديدة من التصعيد المعتاد، أم أننا أمام بداية مرحلة مختلفة تماماً ؟
المؤشرات الحالية توحي بأن قواعد اللعبة القديمة تتآكل تدريجيًا. ففي السابق كانت كل جولة تصعيد تنتهي بقنوات اتصال خلفية تعيد الجميع إلى طاولة التفاوض، أما اليوم فتبدو لغة التفاوض نفسها في أضعف حالاتها، بينما ترتفع نبرة التهديدات العسكرية بصورة غير مسبوقة. وهذا يعني أن هامش المناورة السياسية يتقلص، في مقابل اتساع مساحة الخيارات العسكرية.
كما أن الداخل الإيراني نفسه يشهد تغيراً لافتا، في موازين القوى، إذ يبدو أن التيار الأكثر تشددًا أصبح صاحب الصوت الأعلى داخل مؤسسات الدولة، وهو تيار يرى أن سنوات التفاوض لم تحقق لإيران ما كانت تطمح إليه ، بل منحت خصومها الوقت لإعادة ترتيب أوراقهم وتشديد الضغوط عليها. وإذا كانت هذه القراءة صحيحة ، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد سياسات أكثر صدامية وأقل استعداداً لتقديم تنازلات.
وفي المقابل ، تدرك الولايات المتحدة أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تكون شبيهة بالحروب السابقة في المنطقة ، لأن اتساع رقعة القواعد العسكرية الأمريكية، وتشابك المصالح الاقتصادية، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، كلها عوامل تجعل تكلفة أي حرب شاملة باهظة على الجميع، وليس على طرف واحد فقط.
لذلك، فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الضربة التالية، وإنما غياب الثقة الكامل بين الخصوم. فعندما يقتنع كل طرف بأن الآخر يستخدم المفاوضات كوسيلة للخداع وكسب الوقت ، تصبح لغة القوة هي الخيار الأكثر حضوراً ، وتتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة لاحتمالات يصعب توقع نهايتها.
ولهذا، فإن ما يحدث اليوم يستحق متابعة دقيقة بعيداً عن الانفعال أو الانجرار وراء الشائعات، لأن الشرق الأوسط يقف بالفعل أمام مرحلة شديدة الحساسية، وأي تطور جديد قد يعيد رسم خريطة الصراع في المنطقة، ويترك آثاراً سياسية واقتصادية وأمنية تمتد لسنوات طويلة.



