مقالات

هل تنجح خريطة الطريق في إنقاذ غزة؟

✍️ يوحنا عزمي

ما جرى اليوم ليس مجرد خبر جديد يُضاف إلى شريط الأخبار المتلاحق، بل قد يكون أحد أهم المنعطفات السياسية والعسكرية في مسار الحرب على غزة منذ اندلاعها. إعلان حركة حماس موافقتها على الرؤية التي صاغها الوسطاء في مصر وتركيا وقطر لبدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إذا ما تُرجم إلى خطوات عملية على الأرض، يعني أننا أمام محاولة جادة للانتقال من منطق الحرب المفتوحة إلى منطق التسوية المرحلية، ولو كانت تسوية مليئة بالألغام والشكوك.

هذا التطور لم يولد في ساعات، ولم يكن نتيجة اتصال أو اجتماع عابر، وإنما جاء بعد أشهر طويلة من المفاوضات الشاقة، وجولات لا تنتهي من الأخذ والرد، واجتماعات مكثفة استضافتها القاهرة والعلمين، شارك فيها الوسطاء وقيادات فلسطينية، في محاولة للوصول إلى صيغة تحقق الحد الأدنى الذي يسمح بوقف نزيف الدم، مع الحفاظ على ما تعتبره كل جهة خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.

إعلان دونالد ترامب عن حدوث “اختراق تاريخي” في هذا الملف يعكس أن هناك بالفعل تقدمًا في بعض النقاط الجوهرية، لكنه لا يعني بأي حال أن الاتفاق أصبح أمراً واقعاً أو أن الحرب انتهت بالفعل. فالمنطقة تعلمت من تجاربها السابقة أن الاتفاقات شيء، وتنفيذها على الأرض شيء آخر تمامًا، خاصة عندما يكون أحد أطرافها هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يمتلك سجلًا طويلًا من التنصل أو إعادة تفسير البنود بما يخدم أهدافه العسكرية والسياسية.

أكثر النقاط حساسية في المسودة، والتي ستكون بلا شك محور الجدل خلال الفترة المقبلة، هي قضية سلاح المقاومة. فمنذ بداية المفاوضات كان واضحًا أن الاحتلال يضع هذا الملف في مقدمة مطالبه، بينما تعتبره الفصائل الفلسطينية جوهر معادلة الردع وأحد أهم أسباب استمرار قدرتها على المواجهة. لذلك جاءت الصيغة المطروحة محاولة لإيجاد منطقة وسط بين الطرفين، بحيث لا يكون هناك نزع قسري للسلاح ولا تسليم مباشر له، وإنما حصر وتنظيم وتخزين للسلاح الثقيل ومواقع إنتاجه وفق ترتيبات فلسطينية داخلية، وتحت إشراف لجنة تكنوقراط وطنية مستقلة، بعيدًا عن أي إدارة مباشرة من أطراف خارجية.

هذه الصيغة، إن صحت تفاصيلها، تعني أن الفصائل تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من سيادتها وقرارها الوطني، وفي الوقت نفسه تمنح الوسطاء مساحة للتحرك من أجل تثبيت وقف إطلاق النار. لكن تبقى العقدة الأساسية في ترتيب تنفيذ الخطوات. فحتى الآن لا تزال الروايات متضاربة ؛ هل يبدأ الأمر بحصر السلاح ثم الانسحاب الإسرائيلي، أم يحدث الانسحاب أولًا ثم تبدأ الترتيبات الأمنية الفلسطينية؟

التصريحات الأخيرة تشير إلى أن التنفيذ سيكون تدريجياً، بحيث يقابل كل إجراء يتعلق بتنظيم ملف السلاح انسحاب إسرائيلي من مناطق داخل القطاع، إلى أن يكتمل الانسحاب بصورة شاملة. وإذا كان هذا السيناريو هو الأقرب للتطبيق، فإنه يعكس محاولة لبناء الثقة خطوة بخطوة، بدلًا من مطالبة أي طرف بتقديم تنازل كامل منذ البداية، وهو ما كان سيؤدي غالباً إلى انهيار المفاوضات.

لكن حتى مع ذلك، فإن نجاح هذه الخطة سيظل مرهوناً بالإرادة السياسية لدى الاحتلال، لأن التجربة أثبتت أن إسرائيل كثيراً ما استخدمت الانسحاب الجزئي أو الالتزامات المرحلية كورقة ضغط لفرض شروط إضافية أو تعطيل ما لا يخدم مصالحها.

وبعد انتهاء مرحلة الانسحاب، يفترض أن تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا، وهي إدارة غزة بعد الحرب. فالمطروح أن تتولى لجنة تكنوقراط فلسطينية مستقلة إدارة القطاع ، والإشراف على المعابر والمؤسسات المدنية والخدمات الحكومية، بعيداً عن الانقسام السياسي التقليدي. وإذا نجحت هذه اللجنة في أداء دورها، فقد تكون بداية لإعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس مختلفة، لكن نجاحها سيعتمد على مدى قبول مختلف القوى الفلسطينية بها، وعلى حجم الدعم العربي والدولي الذي ستحصل عليه.

وفي موازاة ذلك، يجري الحديث عن انتشار قوات استقرار دولية لتأمين الحدود ومنع تجدد المواجهات ، إلى جانب تشكيل جهاز شرطة فلسطيني يتولى الأمن الداخلي وحماية المدنيين والمنشآت. وهي ترتيبات تبدو ضرورية نظرياً، لكنها عملياً ستواجه تحديات هائلة، لأن غزة خرجت من الحرب بواقع أمني وإنساني شديد التعقيد، وبمجتمع أنهكته المجازر والتهجير والدمار.

أما إعادة الإعمار، فهي الملف الذي ينتظره ملايين الفلسطينيين، لكنه أيضاً الملف الأكثر ارتباطًا بالسياسة. فإزالة الأنقاض، وإعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه، تحتاج إلى مليارات الدولارات وإلى ضمانات دولية واستقرار أمني حقيقي، وليس مجرد هدنة مؤقتة يمكن أن تنهار في أي لحظة.

ورغم أن هذه التطورات تمنح بصيص أمل بإمكانية توقف واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ الصراع، فإن التعامل معها بقدر كبير من الحذر يبدو أكثر واقعية من الانجراف وراء التفاؤل. فما زالت هناك ملفات شائكة، وما زالت الثقة بين الأطراف شبه معدومة، وما زال التنفيذ هو الاختبار الحقيقي الذي سيحدد إن كانت هذه التفاهمات بداية لمرحلة جديدة، أم مجرد محطة أخرى في سلسلة طويلة من الاتفاقات التي ولدت ثم انهارت قبل أن ترى النور.

وفي النهاية، يبقى المشهد إنسانياً قبل أن يكون سياسياً. فإذا كانت هذه الحرب قد كشفت شيئًا، فهي أنها كشفت حجم المأساة التي عاشها سكان غزة، وحجم الثمن الذي دفعه المدنيون من أرواحهم وبيوتهم وأحلامهم. لقد واجه شعب كامل آلة حرب غير مسبوقة، وتحمل ما يفوق قدرة البشر على الاحتمال، وغيّر بصموده كثيرًا من مواقف الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية.

قد تكون الأيام المقبلة بداية لالتقاط الأنفاس، لكنها لن تمحو آثار السنوات الماضية، ولن تعيد من فقدوا حياتهم، ولن تزيل بسهولة ذاكرة الدمار. وإذا كُتب لهذا الاتفاق أن ينجح، فسيكون أول انتصار حقيقي له هو أن يمنح أهل غزة فرصة للعيش من جديد، بعد أن عاشوا طويلًا بين الموت والركام، أما إذا فشل، فإن المنطقة ستكون أمام فصل جديد من الصراع، ربما يكون أكثر قسوة مما سبقه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى