مقالات

حين تُقارن واشنطن إيران بالحرب العالمية الثانية

بقلم : يوحنا عزمي

فى وسط حالة القلق التى اجتاحت المصريين عقب الهزة الأرضية الأخيرة ، واستدعاء الذاكرة الجمعية لمشاهد الرعب التى عاشها الجميع خلال زلزال عام 1992، مرّ تصريح سياسى بالغ الخطورة دون أن يحظى بالاهتمام الذى يستحقه، رغم أنه لا يقل تأثيراً فى عالم السياسة والاستراتيجية عن أى زلزال طبيعى. التصريح جاء على لسان الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عندما قال إن «الضربة التى كان مخططاً لها ضد إيران كانت ستكون أكبر هجوم منذ الحرب العالمية الثانية».

قد يتعامل البعض مع مثل هذه التصريحات باعتبارها مجرد جزء من أسلوب ترامب المثير للجدل، أو أنها امتداد لطريقته المعتادة فى تضخيم الأحداث والرهان على الصدمة الإعلامية. لكن قراءة السياسة الدولية لا تُبنى على الانطباعات الشخصية، ولا على تقييم طباع الرؤساء ، وإنما على فهم الرسائل التى تصدر عن الدول الكبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة، الدولة التى تُدار بمنظومة مؤسسات أمنية وعسكرية واستخباراتية شديدة التعقيد، حيث تمر القرارات المصيرية عبر دوائر متعددة من التقييم والتخطيط ، ولا تكون فى الغالب انعكاساً لرغبة فردية مجردة.

من هذا المنطلق، يصبح التصريح فى حد ذاته رسالة استراتيجية تستحق التوقف أمامها، ليس فقط بسبب مضمونه ، وإنما بسبب اختيار عبارة «الحرب العالمية الثانية» كمرجع للمقارنة. فهذه الحرب لم تكن مجرد صراع عسكرى واسع النطاق، بل شهدت أعنف العمليات العسكرية فى التاريخ الحديث، وانتهت باستخدام السلاح النووى لأول مرة ضد اليابان، وهو الحدث الذى أعاد تشكيل النظام الدولى لعقود طويلة.

ويبقى السؤال الجوهرى: لماذا تراجعت الولايات المتحدة عن تنفيذ تلك الضربة إذا كانت بالفعل بهذا الحجم؟

وفق الرواية الرسمية، جاء التراجع استجابة لتحركات دبلوماسية وضغوط من دول الخليج وعدد من الوسطاء، بهدف منح المسار التفاوضى فرصة أخيرة قبل الانتقال إلى الخيار العسكرى. لكن فى المقابل، نفت طهران وجود مفاوضات بالصيغة التى تحدث عنها ترامب، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الروايتين، ويشير إلى أن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل، وأن هامش المناورة السياسية يضيق تدريجيًا.

الأهم من التراجع نفسه هو ما يحمله التصريح من دلالات سياسية ونفسية. فعندما تعلن القوة العسكرية الأولى فى العالم أنها كانت تستعد لتنفيذ هجوم تصفه بأنه الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، فإنها لا تخاطب إيران وحدها، وإنما توجه رسالة إلى الحلفاء والخصوم معاً ، مفادها أن كل الخيارات ما زالت مطروحة، وأن سقف التصعيد الأمريكى قد يكون أعلى بكثير مما يتوقعه كثيرون.

هذه الرسائل تدخل فى إطار ما يُعرف بسياسة الردع وتعظيم تكلفة الرفض ، وهى استراتيجية تعتمد على إقناع الخصم بأن ثمن الاستمرار فى موقفه سيكون باهظاً إلى درجة تدفعه إلى إعادة الحسابات. لكن المشكلة أن هذه السياسة لا تحقق أهدافها دائماً، خصوصاً إذا كان الطرف المقابل يرى أن التراجع يمثل تهديداً لشرعيته أو مكانته الإقليمية، أو إذا كان يعتقد أن لديه دعماً سياسيًا أو استراتيجيًا من قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين.

ومن هنا تصبح الأزمة أكثر تعقيدًا. فالولايات المتحدة لا تريد أن تبدو عاجزة عن فرض إرادتها بعد هذا المستوى من التصعيد، وإيران بدورها لا تريد أن تظهر بمظهر الدولة التى رضخت للضغوط الأمريكية. وعندما يصل الطرفان إلى هذه المرحلة، تصبح مساحة الحلول السياسية أضيق ، بينما ترتفع احتمالات سوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

أما الربط الذى أجراه ترامب بالحرب العالمية الثانية، فهو فى رأيى لا ينبغى التعامل معه باعتباره إشارة مباشرة أو مؤكدة إلى استخدام السلاح النووى، لأن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة واضحة لا تتوافر حتى الآن. لكنه بالتأكيد يعكس رغبة فى إيصال رسالة بأن حجم العملية العسكرية التى كان يجرى الإعداد لها – من وجهة النظر الأمريكية – كان سيكون استثنائياً وغير مسبوق منذ نهاية تلك الحرب، وهو توصيف يحمل فى حد ذاته أبعاداً سياسية وردعية كبيرة.

وفى المقابل، تدرك دول المنطقة أن أى مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران لن تبقى محصورة داخل حدود البلدين، بل ستمتد آثارها إلى أمن الخليج، وحركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة ، والاقتصاد العالمى ، وربما إلى استقرار الشرق الأوسط بأكمله. ولذلك ليس من المستغرب أن تتكثف الاتصالات الدبلوماسية خلال الساعات الأخيرة، وأن تتحرك عواصم إقليمية ودولية فى محاولة لمنع انتقال الأزمة من مرحلة التهديد إلى مرحلة التنفيذ.

وفى هذا السياق، تأتى التحركات المصرية واتصالاتها مع مختلف الأطراف فى إطار سياسة ثابتة تقوم على احتواء الأزمات وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة ، انطلاقاً من إدراك القاهرة أن تكلفة المواجهة لن يتحملها طرف واحد، وأن أى انفجار كبير فى المنطقة ستكون له تداعيات تمتد إلى الجميع، سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

الخلاصة أن أخطر ما فى هذا المشهد ليس التصريح فى حد ذاته، وإنما البيئة السياسية والعسكرية التى صدر فيها. فحين ترتفع نبرة التهديد إلى هذا المستوى، وتتحرك الجيوش، وتتضارب الروايات، وتتعثر قنوات التفاوض، يصبح الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية، يكون فيها الحفاظ على قنوات الاتصال والدبلوماسية ضرورة استراتيجية، لأن البديل قد يقود إلى مواجهة يصعب التنبؤ بحجمها أو حدودها أو نتائجها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى