إيران بعد الحرب .. هل اقتربت لحظة التحول إلى قوة نووية؟

✍️ يوحنا عزمي
في تقديري، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت إيران ستنجح في امتلاك السلاح النووي ، بل متى ستصل إلى هذه المرحلة إذا استمرت البيئة الإقليمية والدولية على حالها. فالمؤشرات السياسية والعسكرية ، إلى جانب التقديرات التي يطرحها عدد من الخبراء المختصين ، توحي بأن طهران باتت تمتلك قاعدة علمية وتقنية متقدمة تؤهلها ، متى اتخذ القرار السياسي ، للانتقال إلى مرحلة مختلفة تماما في برنامجها النووي.
الأخطر أن الحرب الأخيرة ربما أحدثت تحولا جذرياً في الحسابات الإيرانية. ففي السابق كانت القيادة الإيرانية توازن بين المكاسب التي قد تحققها من امتلاك السلاح النووي، وبين الخسائر السياسية والاقتصادية والعسكرية التي يمكن أن تترتب على هذه الخطوة. أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة بصورة كبيرة. فالولايات المتحدة استخدمت، إلى حد بعيد، معظم أدوات الضغط التي كانت تمتلكها؛ من العقوبات الاقتصادية القصوى، إلى الانخراط العسكري المباشر، وصولا إلى استهداف قيادات بارزة ، وتوسيع دائرة المواجهة إلى أقصى ما كان يمكن أن تذهب إليه. وهذا يعني أن هامش التصعيد الأمريكي المستقبلي قد يصبح أكثر محدودية مما كان عليه في السابق.
ومن هذا المنطلق ، قد ترى طهران أن تكلفة الامتناع عن امتلاك السلاح النووي أصبحت أعلى من تكلفة امتلاكه. فالتجربة الأخيرة ربما عززت داخل المؤسسة الإيرانية قناعة بأن أي قوة لا تمتلك قدرة ردع استراتيجية ستظل عرضة لدورات متكررة من الضغوط والحروب ومحاولات الاستنزاف، وأن الوسيلة الوحيدة لإغلاق هذا الباب نهائيا هي امتلاك سلاح يفرض معادلة ردع تمنع الخصوم من التفكير في شن مواجهة عسكرية واسعة.
إذا وصلت إيران إلى هذه القناعة ، فإن امتلاك السلاح النووي لن يكون مجرد إنجاز عسكري، بل تحولا استراتيجيا يعيد رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط. فمنذ اللحظة التي تصبح فيها دولة ما قوة نووية، تتغير طبيعة التعامل الدولي معها، لأن أي صدام مباشر معها يصبح محفوفا بمخاطر لا يمكن التنبؤ بنتائجها. ومن هنا يرى بعض المحللين أن امتلاك إيران لهذا السلاح قد يدفع الولايات المتحدة مستقبلا إلى إعادة صياغة استراتيجيتها في المنطقة، بحيث تنتقل من سياسة المواجهة المباشرة إلى سياسة الاحتواء وإدارة التوازنات.
ويزداد هذا السيناريو تعقيدا إذا أضيف إليه الموقع الجيوسياسي الإيراني ، ولا سيما الإشراف على مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، فضلا عن شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. لذلك يعتقد بعض المحللين أن فرض نموذج حصار مشابه لما تعرضت له كوريا الشمالية لن يكون أمرا سهلا، نظرا لاختلاف البيئة الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية لإيران، وقدرتها المحتملة على التأثير في أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية إذا تصاعدت المواجهة.
كما أن عددا من الخبراء في الشأن النووي يذهبون إلى أن العقبات المتبقية أمام إيران، إن وجدت، ترتبط بجوانب تقنية أو تشغيلية أكثر من كونها عوائق تحول دون امتلاك القدرة النووية من حيث المبدأ، وهو ما يجعل مسألة التوقيت، وفقا لهذا الرأي، أكثر أهمية من مسألة الإمكانات.
وفي المحصلة، فإن الحرب الأخيرة قد تكون بنيت ، وفقا لهذا التحليل ، على تقديرات لم تحقق النتائج المرجوة، وربما أفضت إلى نتيجة معاكسة تماما لما كان مخططا لها. فبدلا من إبعاد إيران عن خيار الردع النووي ، قد تكون سرعت من اقتناعها بأن هذا الخيار هو الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الحروب الوجودية وفرض معادلة جديدة في صراع الإرادات وكسر العظم الذي تشهده المنطقة. ومع ذلك، يبقى هذا السيناريو تحليلا سياسيا يستند إلى قراءات وتقديرات ، وليس تأكيدا لما ستؤول إليه الأحداث، إذ إن القرار النهائي سيظل رهنا بتطورات الميدان، وحسابات القيادة الإيرانية ، وردود فعل القوى الدولية خلال المرحلة المقبلة.



