مقالات

أكبر خطأ استراتيجي.. لماذا فشل استهداف رأس النظام الإيراني في إسقاطه؟

✍️ يوحنا عزمي

هيكل القيادة الجديد في إيران لا يبدو مجرد إعادة ترتيب للمشهد السياسي والعسكري بعد الحرب ، بل يبدو أقرب إلى هيكل قيادة جرى تشكيله بعقلية المواجهة والاستمرار، وكأن النظام الإيراني كان يدرك منذ البداية أن استهداف رأس الهرم لن يعني بالضرورة سقوط الهرم كله.

وهنا تحديدا تكمن واحدة من أهم المفارقات التي كشفتها هذه الحرب. إيران تعرضت لضربات شديدة الدقة، واستهدفت شخصيات ومراكز وأركانا أساسية داخل البنية السياسية والعسكرية للنظام، ومع ذلك لم يحدث الانهيار الذي توقعه كثيرون. لم تتوقف مؤسسات الدولة، ولم يتحول غياب القيادات العليا إلى فراغ سياسي أو أمني شامل، ولم تتحول الضربة العسكرية إلى انهيار داخلي سريع.

وهذا أمر يستحق التوقف أمامه بعيدا عن المواقف السياسية أو الانحيازات لأي طرف.

فمن أخطر الأخطاء في قراءة إيران التعامل معها باعتبارها دولة يحكمها عدد محدود من الأشخاص يمكن إسقاط النظام بإسقاطهم. هذه النظرة قد تكون صالحة في بعض النظم التي تتمحور بصورة شبه كاملة حول شخص أو مجموعة ضيقة من الأشخاص، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تطبق على نظام إيراني تأسس تاريخيا وفكريا على منظومة أيديولوجية ومؤسسات متداخلة، بحيث لا يمثل الأشخاص سوى جزء من البناء، وليس البناء كله.

في بداية الحرب، كان هناك من افترض أن السيناريو الإيراني يمكن أن يشبه سيناريوهات أخرى شهدتها دول مختلفة، وأن توجيه ضربات مركزة إلى مراكز القيادة، مع إحداث صدمة أمنية واقتصادية ونفسية، قد يؤدي إلى انفجار داخلي ينتهي بسقوط النظام. لكن هذه المقارنة كانت تتجاهل عاملا أساسيا : طبيعة الدولة الإيرانية نفسها.

الفارق بين إيران وبعض التجارب الأخرى أن النظام الإيراني ليس مجرد سلطة فوق المجتمع، وإنما هو ، شئنا أم أبينا، نتاج تاريخ طويل من التفاعل بين المؤسسة الدينية والسياسية والأمنية والعسكرية والاجتماعية. وقد نجح النظام على مدى عقود في بناء شبكة واسعة من المؤسسات والقواعد والولاءات، بحيث لا يرتبط وجود الدولة ببقاء شخص واحد في موقعه.

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا.

عندما تستهدف قيادة نظام يقوم على الأشخاص فقط، فإن اغتيال أو إزاحة رأس النظام يمكن أن يخلق فراغا يصعب ملؤه. أما عندما تستهدف قيادة نظام يقوم على أيديولوجيا ومؤسسات وشبكات تنظيمية متشعبة، فإن غياب بعض القيادات قد يؤدي إلى إعادة توزيع الأدوار، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار المنظومة.

وهذا ما أظهرته الحرب بصورة واضحة.

لقد جرى التعامل مع القيادات الإيرانية وكأنها مركز الثقل الوحيد في النظام، بينما يبدو أن مركز الثقل الحقيقي أوسع بكثير من الأشخاص الذين يظهرون في الصفوف الأولى. هناك مؤسسات أمنية وعسكرية، وشبكات سياسية، ومراكز دينية، وأجهزة إدارية، وقواعد اجتماعية، وأجيال تربت داخل هذه المنظومة على تصور محدد للدولة والصراع والتهديد الخارجي.

وبالتالي، فإن تغييب عدد كبير من القيادات لا يعني بالضرورة القضاء على القدرة على الاستمرار.

بل ربما تكون المفارقة الأكبر أن الضربات القاسية التي كان يفترض أن تنتج حالة من التفكك الداخلي أنتجت، في جانب منها، حالة من إعادة ترتيب الصفوف حول فكرة المواجهة.

وهنا يظهر العامل النفسي والثقافي، وهو عامل كثيرا ما يتم تجاهله في الحسابات العسكرية والاستراتيجية.

الدول لا تتصرف فقط وفقا لحجم ترسانتها العسكرية أو قوة اقتصادها، وإنما تتصرف أيضا وفقا للطريقة التي ينظر بها مجتمعها إلى الخطر الخارجي، وإلى الدولة، وإلى فكرة الصراع نفسها.

قد ترى دولة ما في الحرب كارثة تهدد وجود النظام، بينما يرى مجتمع آخر في الحرب الخارجية سببا إضافيا للالتفاف حول الدولة، حتى مع وجود خلافات عميقة بين قطاعات من المجتمع وبين السلطة.

وهذا لا يعني أن المجتمع الإيراني موحد تماما خلف النظام، ولا يعني أن جميع الإيرانيين يؤيدون سياسات قيادتهم، فهذه قراءة تبسيطية لا تعكس الواقع. لكن الخلاف مع السلطة شيء، والانهيار تحت ضغط خارجي شيء آخر تماما.

وهنا وقع، على ما يبدو، أحد أكبر أخطاء الحساب الاستراتيجي.

جرى الخلط بين وجود حالة من التذمر الداخلي وبين استعداد المجتمع للانتقال من التذمر إلى إسقاط الدولة تحت تأثير ضربات خارجية.

وهذا فرق جوهري.

فالمواطن الذي يعارض حكومته قد يظل يرى في الهجوم الخارجي تهديدا لبلاده. وقد يتحول الخصم الخارجي، حتى من دون أن يقصد، إلى عامل يعيد إنتاج التماسك الوطني الذي كان يريد تفكيكه.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لم يتحقق السيناريو الذي توقعه البعض في بداية الحرب.

كانت الفكرة تبدو منطقية على الورق: ضرب القيادة، تدمير جزء من القدرات العسكرية، إرباك مراكز القرار، إحداث صدمة اقتصادية وأمنية، ثم انتظار انفجار داخلي يؤدي إلى سقوط النظام.

لكن المشكلة أن الدول والمجتمعات ليست معادلات هندسية.

قد تكون الضربة العسكرية دقيقة للغاية، لكن دقة الصاروخ لا تعني بالضرورة دقة قراءة المجتمع الذي ستسقط فيه الصواريخ.

وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي أفرزتها الحرب حتى الآن.

القدرة على تدمير الأهداف لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق الهدف السياسي من الحرب.

يمكنك أن تدمر مراكز قيادة، وتقتل قيادات، وتضرب منشآت عسكرية، وتشل جزءا من البنية التحتية، لكن السؤال الحاسم سيظل: ماذا يحدث بعد ذلك؟

هل ينهار النظام؟

هل ينقسم الجيش؟

هل تنفصل المؤسسات؟

هل يرفض المجتمع الدولة؟

هل تظهر قيادة بديلة قادرة على ملء الفراغ؟

أم أن النظام يعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر صلابة وأكثر استعدادا للمواجهة؟

إذا حدث الاحتمال الأخير، فإن الحرب تكون قد حققت نتائج عسكرية ملموسة، لكنها أخفقت في تحقيق هدفها السياسي الأكبر.

وهنا تصبح المسألة أخطر بكثير من مجرد تقييم لنتائج حرب بين دولتين.

لأن الحرب التي تقوم على تقدير خاطئ لطبيعة الخصم يمكن أن تنتج نتائج تتجاوز حدود ساحة المعركة نفسها.

قد يكتشف الطرف الذي بدأ الحرب أنه لم يضع في حساباته السيناريو الأسوأ: أن تؤدي الضربات التي كان يفترض أن تكسر الخصم إلى إعادة تشكيله.

وإذا كانت إيران قد خرجت من هذه التجربة وهي أكثر اقتناعا بأن بنيتها القيادية يجب أن تكون موزعة، وأكثر استعدادا للحرب طويلة الأمد، وأكثر اهتماما بتحصين مؤسساتها ضد عمليات قطع الرأس القيادي، فإن النتائج الاستراتيجية للحرب ستكون مختلفة تماما عن النتائج العسكرية المباشرة.

ومن هنا تأتي أهمية هيكل القيادة الجديد.

فإذا كان هذا الهيكل قد نشأ بالفعل في ظل تجربة الحرب، فإن دلالته لا تكمن فقط في أسماء الأشخاص الذين يشغلون المواقع، وإنما في فلسفة القيادة نفسها. هل أصبحت إيران تنتقل من نموذج القيادة المركزية إلى نموذج أكثر توزيعا؟ هل أصبح لديها تصور جديد لضمان استمرارية القرار في حال تعرض الصف الأول لضربة أخرى؟ وهل تحولت فكرة “قطع رأس النظام” من نقطة ضعف إلى نقطة جرى تحصينها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام إيران مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب.

والأخطر أن هذا التطور لن يظل محصورا داخل الحدود الإيرانية.

لأن أي دولة كبرى تخوض حربا ثم تكتشف أن خصمها لم يسقط رغم استهداف بنيته القيادية والعسكرية، ستضطر إلى إعادة تقييم عقيدتها في التعامل معه. وفي المقابل، فإن الخصم نفسه سيعيد بناء قدراته وفقا لما تعلمه من الحرب.

وهكذا تبدأ الحروب في إنتاج حروب أخرى، ليس بالضرورة عسكريا، وإنما على مستوى العقيدة والاستراتيجية وبناء المؤسسات والتحالفات.

لهذا أرى أن الحديث عن الحرب باعتبارها مجرد معركة بين إسرائيل وإيران أو بين الولايات المتحدة وإيران سيكون اختزالا شديدا للمشهد.

ما يحدث أكبر من ذلك.

إنه اختبار لنظرية كاملة في إدارة الحروب الحديثة: هل تستطيع القوة العسكرية الهائلة أن تسقط نظاما أيديولوجيا راسخا بمجرد تدمير قياداته وقدراته العسكرية؟ أم أن الأنظمة التي تمتلك عمقا مؤسسيا وأيديولوجيا تستطيع امتصاص الضربة، ثم إعادة إنتاج نفسها؟

إيران قدمت حتى الآن إجابة مهمة على هذا السؤال.

قد تكون ضعفت، وقد تكون تكبدت خسائر ضخمة، وقد تكون تعرضت لضربات غير مسبوقة، لكن الضعف شيء والانهيار شيء آخر.

وهذا تحديدا ما أخطأ كثيرون في تقديره.

والقول بذلك لا يعني الدفاع عن النظام الإيراني، ولا يعني تبرير سياساته، ولا يعني الانحياز إلى طهران ضد خصومها. إنه فقط محاولة لقراءة الواقع كما هو، بعيدا عن الرغبات السياسية.

ففي التحليل الاستراتيجي، أخطر شيء يمكن أن تفعله هو أن تخلط بين ما تتمنى أن يحدث وما يحتمل أن يحدث فعلا.

والحرب التي تبدأ بتقدير خاطئ لطبيعة الخصم قد تنتهي بإعادة تشكيل البيئة الدولية بأكملها.

لذلك، فإن ما يحدث في إيران اليوم لا ينبغي النظر إليه فقط باعتباره أزمة داخلية أو حربا إقليمية، وإنما باعتباره اختبارا لنظام دولي كامل، ولقدرة القوة العسكرية على فرض نتائج سياسية في عالم أصبحت فيه الأيديولوجيا والهوية والذاكرة التاريخية والقدرة المؤسسية عوامل لا تقل أهمية عن الطائرات والصواريخ.

وربما تكون المفارقة الأكبر أن الهدف الذي كان يراد تحقيقه بضربة خاطفة قد يتحول، مع مرور الوقت، إلى بداية لمرحلة استراتيجية جديدة في المنطقة.

مرحلة لن يكون السؤال فيها: من انتصر في الحرب؟

بل السؤال الأخطر: من خرج منها وهو أكثر قدرة على التعلم، وإعادة البناء، وتغيير قواعد اللعبة؟

وهنا تحديدا قد تظهر، بعد سنوات، الآثار الحقيقية لهذه الحرب على شكل النظام الإقليمي، وربما على شكل النظام الدولي نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى