مقالات

إثيوبيا تفتح ملف السدود الثلاثة.. هل بدأت معركة السيطرة الكاملة على النيل الأزرق؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

«إثيوبيا تعلن سيطرتها الكاملة على النيل».. عنوان تصدر خلال الساعات الأخيرة عدداً من الصحف العربية والدولية ، لكنه في رأيي يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق ، لأن ما قيل ليس جديداً بالكامل، بينما الجزء الأكثر أهمية في التصريحات الإثيوبية ربما لم يحظ بالاهتمام الكافي.

القصة بدأت بتصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا، الذي تحدث عن أن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب أصبح تحت السيطرة 1الكاملة لإثيوبيا. وهذه النقطة تحديداً ليست اكتشافاً جديداً ، بل هي إمتداد لموقف إثيوبي معروف منذ سنوات، يقوم على التعامل مع موارد النيل الأزرق باعتبارها جزءاً من حق إثيوبيا السيادي في استغلال مواردها الطبيعية، وهو موقف اصطدم تاريخياً بالرؤية المصرية التي تعتبر أن أي مشروعات على النيل يجب أن تراعي حقوق دول المصب وأمنها المائي ، وألا تُقام بصورة منفردة أو تُلحق ضرراً جسيماً بها.

لكن النقطة التي تستحق التوقف فعلًا ليست الجملة المتعلقة بـ «السيطرة على تدفق المياه»، وإنما الإعلان عن نية إثيوبيا إنشاء ثلاثة سدود إضافية على المجرى الرئيسي للنيل الأزرق، تحت مبرر تحقيق ما تسميه أديس أبابا «الاستخدام العادل والمنصف والمستدام» للموارد المائية.

وهنا تبدأ القصة الأكثر تعقيداً.

ففكرة التوسع الإثيوبي في بناء السدود ليست جديدة على الإطلاق، وأي متخصص يتابع ملف حوض النيل، خصوصاً من زاوية الدراسات الأفريقية أو السياسة المائية في القارة ، يعرف أن إثيوبيا تحدثت منذ سنوات عن تطوير منظومة واسعة من المشروعات المائية والكهرومائية ، ولم يكن سد النهضة بالنسبة إليها بالضرورة نهاية المشروع ، وإنما جزءاً من تصور أوسع لاستغلال الإمكانات المائية الهائلة للنيل الأزرق وروافده.

بل إن جذور هذا التصور تعود إلى ما قبل اكتمال سد النهضة بسنوات، وتحديداً إلى مرحلة ما بعد أزمة اتفاقية عنتيبي عام 2010، حين بدأت ملامح إعادة صياغة قواعد إدارة مياه النيل في الظهور بصورة أكثر وضوحاً ، مع صعود الموقف الإثيوبي الرافض للترتيبات التاريخية التي كانت ترى مصر والسودان
أن لها أساساً قانونياً وسياسياً يحمي مصالح دول المصب.

لكن اللافت هنا هو الحديث تحديداً عن ثلاثة سدود جديدة.

فهذا الأمر ، بحسب ما تم تداوله في أواخر يوليو، ليس وليد الساعات الأخيرة. إذ جرى الإعلان عنه في 24 يوليو الماضي ، أي قبل نحو شهر تقريباً. ومع ذلك، لم يتحول الإعلان حينها إلى قضية واسعة التداول في الإعلام العربي كما يحدث الآن.

والسؤال هنا ليس فقط : لماذا تعلن إثيوبيا عن هذه السدود؟

بل أيضاً : لماذا ظهر هذا الملف بهذه الصورة وفي هذا التوقيت تحديداً؟

بحسب ما تم تداوله في ذلك الوقت ، جاء جزء من الإعلان عبر وسائل إعلام إسرائيلية ومنصة إسرائيلية تحمل اسم «ناتسيف»، قبل أن تعود القضية الآن إلى الواجهة عبر الإعلام العربي والدولي.

وهذه النقطة لا تعني بالضرورة وجود مؤامرة مكتملة الأركان، لكنها تستحق التحليل السياسي ؛ لأن توقيت ظهور المعلومات ، والجهات التي تروج لها، والرسائل السياسية المصاحبة لها ، كلها عناصر مهمة في قراءة أي ملف استراتيجي يتعلق بالمياه والأمن القومي.

والأهم من ذلك كله هو أن علينا ألا ننظر إلى السدود الثلاثة باعتبارها مجرد ثلاثة مشروعات منفصلة.

بحسب الأرقام المتداولة حول المشروع ، فإن السعة التخزينية المستهدفة للسدود الثلاثة تصل إلى نحو 140 مليار متر مكعب ، وهو رقم ضخم للغاية إذا قورن بسعة سد النهضة التي تُقدر بنحو 74 مليار متر مكعب.

وهذا يعني أننا لا نتحدث عن إضافة هامشية إلى البنية المائية الإثيوبية، وإنما عن محاولة محتملة لتوسيع القدرة التخزينية الإثيوبية بصورة هائلة ، بحيث تصبح منظومة التحكم في المياه أكثر تعقيداً من مجرد سد واحد.

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف عند مفهوم بالغ الأهمية : القدرة على التحكم في تدفقات المياه لا تعني فقط كمية المياه التي يتم تخزينها، وإنما تعني أيضاً القدرة على توقيت إطلاقها ، وسرعة تدفقها ، وحجم المياه التي يمكن تمريرها أو احتجازها ، وكيفية إدارة النهر في أوقات الجفاف والفيضانات.

ومن هنا فإن القضية الحقيقية ليست فقط : «كم سداً ستبني إثيوبيا؟»

وإنما : ما حجم منظومة التحكم التي تسعى إثيوبيا إلى امتلاكها فوق النيل الأزرق؟

النيل الأزرق ليس مجرى مائياً هامشياً بالنسبة لمصر والسودان، فهو أحد أهم روافد النيل، وتأتي منه النسبة الأكبر من إيرادات النهر، وتُقدر مساهمته في مياه النيل بنحو 68% وفق بعض التقديرات المتداولة. ولذلك فإن أي توسع كبير في منظومة التخزين والتحكم على هذا المجرى لا يمكن التعامل معه باعتباره شأناً إثيوبيًا داخليًا خالصًا، لأن تأثيراته المحتملة تتجاوز الحدود السياسية لإثيوبيا.

والأكثر إثارة للاهتمام أن السدود الثلاثة المتداولة هي ماندويا وكرادوبي وبيكو آبو ، والتي يُقال إنها تقع في مناطق أعلى من موقع سد النهضة على النيل الأزرق.

وهنا يجب أن نكون أكثر دقة في التعبير ؛ فوجود السدود أعلى سد النهضة لا يعني بصورة آلية أن مصر ستحصل على مياه أقل، ولا يعني أن المياه ستختفي ببساطة قبل وصولها إلى سد النهضة. المسألة أكثر تعقيداً من ذلك ، لأنها ترتبط بالسعات التخزينية ، وطريقة التشغيل ، وتوقيت الملء ، ومعدلات التصريف، والتنسيق بين السدود ، والظروف الهيدرولوجية السنوية.

لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن كلما زادت نقاط التخزين والتحكم على النهر قبل وصول المياه إلى سد النهضة، زادت قدرة الدولة الواقعة أعلى المجرى على إدارة التدفقات وفق منظومتها التشغيلية الخاصة.

وهنا نصل إلى الحجة الإثيوبية التي بدأت تظهر في الخطاب المروج لهذه المشروعات.

أديس أبابا تحاول تقديم السدود الجديدة باعتبارها جزءاً من منظومة لإدارة المياه والطاقة، بل وتروج لفكرة أن إنشاء سدود إضافية يمكن أن يخفف الضغط الهيدرولوجي على سد النهضة ، ويساعد في إطالة عمره التشغيلي ، من خلال تقليل سرعة تدفق المياه واحتجاز كميات أكبر من الطمي.

هذه الحجة تحتاج إلى أن تُقرأ بعقل بارد.

لأن السؤال البسيط الذي يطرح نفسه هو: إذا كان الهدف الأساسي هو حماية سد النهضة وتخفيف الضغط عنه، فلماذا نحتاج إلى بناء منظومة ضخمة من السدود فوقه؟

قد تكون هناك بالفعل اعتبارات هندسية مرتبطة بالطمي وإدارة التدفقات وحماية المنشآت ، وهذا أمر يمكن للمتخصصين في هندسة السدود والهيدرولوجيا تقييمه بصورة علمية دقيقة ، لكن من الناحية السياسية والاستراتيجية لا يمكن اختزال المسألة في الجانب الهندسي وحده.

لأن إنشاء سد واحد قد يكون مشروعاً منفرداً، بينما إنشاء عدة سدود مترابطة على مجرى مائي واحد يمكن أن يتحول إلى منظومة متكاملة لإدارة النهر.

وهنا تكمن النقطة التي أعتقد أنها تستحق أكبر قدر من الاهتمام.

المشكلة ليست في السد باعتباره جسماً خرسانياً.

المشكلة في المنظومة التي تتشكل حول السدود.

فإذا أصبحت إثيوبيا تمتلك سد النهضة، ثم أضافت إليه سدوداً أخرى في مناطق أعلى من المجرى ، فإن الأمر ينتقل من مجرد إنتاج الكهرباء أو تخزين المياه إلى امتلاك شبكة أوسع من أدوات التحكم في حركة المياه.

وقد تقول إثيوبيا إن كل سد جديد له وظيفة مستقلة : توليد الكهرباء ، تنظيم الفيضانات ، تقليل الطمي ، تحسين كفاءة تشغيل سد النهضة ، أو دعم التنمية الاقتصادية.

لكن في السياسة الدولية لا تتم قراءة كل مشروع بمعزل عن غيره ، بل تُقرأ الصورة الكاملة.

وهنا تظهر أهمية السؤال : ماذا ستكون النتيجة النهائية إذا تراكمت هذه المشروعات على مدار السنوات؟

لأنك قد تبدأ بسد لتوليد الكهرباء، ثم سد لتنظيم المياه، ثم سد لتقليل الطمي، ثم سد آخر لتحسين التشغيل ، وفي النهاية تجد نفسك أمام منظومة ضخمة من المنشآت التي تمنح دولة المنبع قدرة غير مسبوقة على التحكم في توقيتات وكميات التدفقات المائية.

وهذا هو جوهر القضية.

أما الحجة الأخرى التي بدأت تُطرح، ومفادها أن إثيوبيا استطاعت إنشاء أكبر سد كهرومائي في أفريقيا دون استهلاك مياه النهر أو تحويل مساره الطبيعي نحو دول المصب ، وبالتالي فلا توجد مشكلة جوهرية في إنشاء سدود أخرى، فهي أيضاً تحتاج إلى تفكيك.

صحيح أن السد الكهرومائي لا «يستهلك» المياه بالمعنى المباشر الذي يستهلكه قطاع الزراعة، لكن هذا لا يعني أن وجود السد لا يؤثر على توقيتات تدفق المياه وحجم التخزين ومعدلات التصريف.

وفي ملف مثل نهر النيل ، هذه التفاصيل ليست تقنية فقط، إنها صميم الأمن المائي.

ولهذا فإن اختزال القضية في سؤال : «هل السد يستهلك المياه أم لا؟» هو تبسيط شديد لملف بالغ التعقيد.

السؤال الحقيقي هو : من يتحكم في المياه؟ ومتى؟ وبأي قواعد؟ وتحت أي آلية للتنسيق والإخطار؟

وهنا نصل إلى البعد القانوني.

هل تستطيع إثيوبيا من الناحية القانونية إنشاء أي عدد تريده من السدود دون اتفاق ملزم مع دول المصب؟

الإجابة ليست بهذه البساطة ، كما أن القضية لا تُحسم بمجرد رفع شعار «السيادة الوطنية».

القانون الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود يقوم على مجموعة من المبادئ، من بينها الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل المعلومات بين الدول المتشاطئة. ولذلك فإن الخلاف الحقيقي لا يدور حول حق إثيوبيا في التنمية من حيث المبدأ ، فهذا الحق لا تنكره مصر ، وإنما يدور حول كيفية ممارسة هذا الحق عندما تكون له آثار مباشرة على دول أخرى تشترك معها في النهر نفسه.

لكن التاريخ الدولي يعلمنا شيئاً أكثر واقعية من النصوص القانونية وحدها : القانون لا يعمل في فراغ.

القوة السياسية، والتحالفات ، والمصالح الاقتصادية ض، والقدرة على بناء شبكات الدعم الدولي ، كلها عوامل تؤثر في قدرة الدول على فرض رؤيتها أو الدفاع عنها.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: «هل هناك قانون؟»

بل: من يملك القدرة السياسية والاستراتيجية على حماية مصالحه عندما يدخل القانون في مواجهة المصالح؟

وهنا تحديداً يصبح الحديث عن العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية مهماً ، ليس باعتباره دليلًا تلقائياً على أن إسرائيل تقف خلف كل قرار إثيوبي، فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة مباشرة ، وإنما باعتباره أحد الملفات التي يجب وضعها على طاولة التحليل عند دراسة التحولات الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.

فإسرائيل لديها تاريخ طويل من الاهتمام بالمياه في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، كما أن لديها مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية متنامية في القارة الأفريقية، وإثيوبيا تحديدًا دولة ذات موقع جيوسياسي بالغ الأهمية.

لكن يجب أن نفرق بين وجود مصالح إسرائيلية في إثيوبيا وبين القول إن إسرائيل هي التي تحدد مواقع السدود الإثيوبية أو تدير القرار الإثيوبي بصورة مباشرة. هذه نقطة لا يجوز القفز إليها دون وثائق وأدلة واضحة.

ما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن أي توسع إثيوبي كبير في البنية المائية للنيل الأزرق، بالتزامن مع تنامي العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية مع أطراف إقليمية ودولية، يجب أن يُقرأ باعتباره جزءاً من بيئة جيوسياسية أوسع، وليس مجرد مشروع هندسي لتوليد الكهرباء.

وفي النهاية ، أعتقد أن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن نقع فيه هو أن ننتظر حتى يبدأ بناء السدود فعلياً ثم نبدأ في مناقشة آثارها.

السياسة المائية لا تعمل بهذه الطريقة.

المرحلة الأخطر ليست لحظة افتتاح السد ، بل المرحلة التي تُبنى فيها القدرة على التحكم.

وعندما تتحول دولة المنبع من امتلاك سد واحد إلى امتلاك منظومة متكاملة من السدود والخزانات والمنشآت التي تتحكم في مجرى مائي عابر للحدود، فإن قواعد اللعبة نفسها تبدأ في التغير.

ولهذا فإن الإعلان عن ثلاثة سدود جديدة، إذا تأكدت تفاصيله رسمياً وبدأت إثيوبيا بالفعل في الانتقال من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ، يجب ألا يُنظر إليه باعتباره خبراً اقتصادياً أو هندسياً عابراً.

بل يجب أن يُقرأ باعتباره تطوراً استراتيجياً محتملاً في ملف النيل كله.

والسؤال الذي يجب أن نتابعه خلال المرحلة المقبلة ليس فقط : هل ستبني إثيوبيا هذه السدود؟

بل : متى ستبدأ؟ أين تحديداً؟ ما السعات الفعلية لكل سد؟ من سيمولها؟ من سينفذها؟ وما طبيعة منظومة التشغيل التي ستربط بينها وبين سد النهضة؟

هذه الأسئلة تحديداً هي التي ستكشف لنا ما إذا كنا أمام ثلاثة مشروعات منفصلة ، أم أمام مرحلة جديدة من بناء منظومة إثيوبية متكاملة للتحكم
في النيل الأزرق.

وفي السياسة الدولية ، التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف أحياناً الصورة الكبيرة.

لأن القضية في النهاية ليست مجرد «سدود جديدة».

القضية هي : من يملك مفاتيح النهر؟ ومن يملك القدرة على التحكم في حنفية المياه عندما تتغير قواعد اللعبة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى