من بوابة بريكس إلى مظلة الأمن الإقليمي

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
منذ قليل ظهر خبران قد يبدوان للوهلة الاولى منفصلين تماما، لكن عند وضعهما بجوار بعضهما يصبح من الصعب تجاهل الدلالات السياسية والاستراتيجية التي يحملها كل منهما. الأول يتعلق بتصريحات السفير الباكستاني في موسكو، والتي اشار فيها إلى ان بلاده لا تمانع انضمام ايران الى ترتيبات او اتفاقيات الدفاع المشترك المرتبطة بالسعودية وتركيا، بينما يتعلق الخبر الثاني بتحركات ايران نحو الانضمام رسميا الى بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس.
قد يبدو الامر مجرد خبر اقتصادي في مقابل تصريح دبلوماسي، لكن الحقيقة ان كلا المسارين يتحركان في اتجاه واحد: محاولة ايران تقليل اعتمادها على المنظومة الغربية، وبناء شبكة اوسع من العلاقات السياسية والاقتصادية والامنية تمنحها مساحة اكبر للمناورة والاستقلال في القرار.
بنك التنمية الجديد ليس مجرد مؤسسة مصرفية اخرى؛ فقد تاسس عام 2015 بمبادرة من الدول الخمس المؤسسة لمجموعة بريكس، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا، ومقره مدينة شنغهاي الصينية، وتتمثل مهمته الاساسية في تمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة في الاقتصادات الناشئة، بما يوفر للدول الاعضاء والمقترضة بدائل عن المؤسسات المالية الدولية التي ارتبطت تاريخيا بالنظام المالي الغربي.
وهنا تحديدا تظهر اهمية المسالة بالنسبة لايران.
ايران تعيش منذ سنوات تحت ضغط العقوبات الامريكية والغربية، التي لم تستهدف فقط قدرتها على بيع النفط او الحصول على العملات الاجنبية، وانما حاولت ايضا عزلها عن النظام المالي العالمي وتقييد قدرتها على جذب الاستثمارات وتمويل المشروعات الكبرى والوصول الى التكنولوجيا والاسواق الدولية. وبالتالي، فان دخول مؤسسة مالية مرتبطة ببريكس لا يعني تلقائيا ان العقوبات ستختفي او ان ايران ستحصل على تمويل بلا قيود، لكنه يمنحها منفذا اضافيا داخل منظومة اقتصادية تتسع تدريجيا خارج المركز الغربي التقليدي.
وهذه نقطة شديدة الاهمية، لان المعركة القادمة ليست عسكرية فقط، وانما معركة على مصادر التمويل والاسواق وسلاسل الامداد والقدرة على الاستثمار واعادة بناء الاقتصاد والدولة.
ايران تدرك ان القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء نفوذ طويل الامد. الدولة التي تريد ان تصبح قوة اقليمية مؤثرة تحتاج الى اقتصاد قادر على الصمود، ومؤسسات مالية بديلة، وشركاء تجاريين، واستثمارات في البنية التحتية والطاقة والنقل، وقدرة على تجاوز الاختناق الذي تفرضه العقوبات. ومن هذه الزاوية، يصبح التقارب مع مؤسسات بريكس جزءا من استراتيجية اوسع لاعادة تموضع ايران داخل النظام الدولي.
لكن من المهم هنا عدم المبالغة والقول ان عضوية بنك التنمية الجديد ستمنح ايران تلقائيا القدرة على تمويل اعادة تسليحها او تجاوز العقوبات بالكامل؛ فالمؤسسة لها قواعد تمويل واجراءات وشروط ، كما ان العقوبات الامريكية تستطيع التاثير في اي معاملات تمر عبر النظام المالي الدولي. القيمة الحقيقية للخطوة تكمن في انها تفتح لايران نافذة مؤسسية جديدة وتربطها بصورة اعمق بشبكة اقتصادية تضم قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند وغيرها.
والاخطر من ذلك ان هذه الخطوة لا تاتي في فراغ.
فاذا كانت ايران تتحرك اقتصاديا باتجاه الشرق، وفي الوقت نفسه تظهر اشارات سياسية من باكستان بشان امكانية قبولها داخل ترتيبات امنية اوسع تضم السعودية وتركيا ، فإننا امام صورة مختلفة تماما عن شكل التحالفات التي يمكن ان تتبلور في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
تصريح السفير الباكستاني في موسكو تحديدا يستحق التوقف عنده، ليس لان التصريح وحده يثبت وجود تحالف عسكري اقليمي جديد، وانما لان مجرد طرح فكرة انضمام ايران الى مظلة دفاعية تضم دولا مثل السعودية وتركيا يحمل دلالة سياسية كبيرة.
هناك اكثر من تفسير ممكن.
التفسير الاول ان باكستان تريد التاكيد لموسكو ان الترتيبات الدفاعية الجديدة ليست موجهة ضد ايران او روسيا، وانها لا تريد انشاء محور مغلق يقوم على تقسيم المنطقة الى معسكرات متصارعة. بمعنى اخر، قد تكون الرسالة محاولة لطمأنة موسكو بان اي ترتيبات امنية جديدة في الشرق الاوسط لا تستهدف مصالحها بصورة مباشرة.
اما الاحتمال الثاني، فهو ان هناك تصورا اوسع بدا يتشكل: مظلة امنية اقليمية لا تقوم بالضرورة على عداوة دولة بعينها، وانما على بناء قدر اكبر من الاستقلال الامني لدول المنطقة بعيدا عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
وهنا تحديدا تصبح الفكرة اكثر تعقيدا.
لان دخول ايران والسعودية وتركيا وباكستان في اطار امني واحد، حتى لو كان مجرد احتمال سياسي في الوقت الحالي، سيعني ان المنطقة بدات تبحث عن نموذج مختلف تماما للامن الاقليمي. نموذج لا تكون فيه واشنطن هي الضامن الوحيد، ولا تكون فيه اسرائيل الطرف القادر على فرض ايقاعه على الجميع، ولا تبقى فيه كل دولة مضطرة للبحث منفردة عن حماية خارجية.
لكن يجب ايضا ان نكون واقعيين: الطريق امام مثل هذا التصور طويل ومعقد للغاية.
هناك خلافات تاريخية ومصالح متعارضة وحسابات امنية مختلفة بين ايران وتركيا والسعودية، فضلا عن اختلاف الرؤى السياسية بين هذه الدول. ولذلك فان الحديث عن محور موحد او تحالف عسكري متكامل ما زال سابقا لاوانه. ما يمكن الحديث عنه في الوقت الحالي هو ظهور مساحات جديدة للتنسيق، وربما محاولة لاعادة تعريف مفهوم الامن الاقليمي.
وهذا في حد ذاته تطور مهم.
فالمنطقة التي عاشت عقودا على قاعدة ان امن الخليج مرتبط بصورة شبه كاملة بالمظلة الامريكية، بدات تبحث عن خيارات اخرى. السعودية تنوع شراكاتها، وتركيا توسع علاقاتها شرقا وغربا، وباكستان تتحرك بين اعتبارات امنية واقتصادية متعددة، وايران تحاول بناء منظومة بديلة عن النظام الغربي من خلال الصين وروسيا وبريكس وغيرها.
وعندما تتقاطع هذه المسارات، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل ستنشئ هذه الدول تحالفا عسكريا غدا؟
السؤال الاهم هو: هل نحن امام بداية انتقال تدريجي من نظام امني اقليمي احادي المركز الى نظام متعدد المراكز؟
وهنا تكمن اهمية التطورات الاخيرة.
ايران لا تتحرك فقط بحثا عن المال او السلاح، وانما تبحث عن شبكة حماية سياسية واقتصادية تجعل الضغط عليها اكثر صعوبة. وباكستان لا تتحرك فقط باعتبارها دولة تربطها علاقات تاريخية مع السعودية وتركيا، وانما باعتبارها قوة نووية لها حساباتها الخاصة في اعادة تشكيل التوازنات الاسيوية والاقليمية. اما تركيا والسعودية، فكل منهما اصبحت اكثر ادراكا لحقيقة ان الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة لم يعد كافيا لضمان المصالح الوطنية في عالم يتغير بسرعة.
ومن هنا يمكن فهم الصورة الاكبر.
اذا نجحت ايران في توسيع حضورها داخل مؤسسات بريكس، واذا استمرت في بناء علاقات اقتصادية اعمق مع الصين وروسيا، واذا فتحت في الوقت نفسه قنوات امنية وسياسية مع دول كانت بينها وبينها خلافات عميقة، فان طهران ستكون قد انتقلت من محاولة مقاومة العزلة الى محاولة اعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي نفسه.
وهذا فرق هائل.
الدولة المعزولة تحاول فقط البقاء، اما الدولة التي تبني شبكات متعددة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والامنية، فهي تحاول صناعة نفوذ.
اما الحديث عن مضيق هرمز، فيجب التعامل معه بحذر بعيدا عن المبالغة. ايران تمتلك بالفعل موقعا جغرافيا استثنائيا يمنحها قدرة كبيرة على التاثير في امن الملاحة والطاقة، لكن القول ان الولايات المتحدة اصبحت عاجزة تماما عن فرض اي سيطرة او ان ايران باتت تملك سيطرة مطلقة على المضيق يحتاج الى ادلة عسكرية وسياسية دقيقة، لان ميزان القوى في الخليج اكثر تعقيدا من اختزاله في معادلة واحدة.
ومع ذلك، تظل الحقيقة الاهم ان موقع ايران الجغرافي، وقدراتها الصاروخية، وشبكة علاقاتها الاقليمية، وامتدادها داخل مؤسسات وتجمعات غير غربية، كلها عناصر تجعل التعامل معها كدولة يمكن عزلها بسهولة امرا اكثر صعوبة من السابق.
والمنطقة نفسها تتغير.
ما كان مستحيلا سياسيا قبل سنوات اصبح اليوم قابلا للنقاش. السعودية وايران اعادتا فتح قنوات الحوار، وتركيا تتحرك في اكثر من اتجاه، وباكستان تعزز حضورها الاقليمي، بينما تعمل الصين وروسيا على توسيع نفوذهما الاقتصادي والسياسي في الشرق الاوسط.
وفي رايي، فان اخطر ما يحدث ليس ظهور تحالف واحد بعينه، وانما تفكك القاعدة القديمة التي كانت تحكم المنطقة: ان كل دولة تتحرك منفردة، وان واشنطن هي مركز النظام الامني، وان اي ترتيبات اقليمية يجب ان تمر من خلالها.
العالم يتجه الى تعدد الاقطاب، والشرق الاوسط لن يكون استثناء.
لكن هذا التحول يمكن ان ياخذ مسارين مختلفين تماما. اما ان يتحول الى صراع جديد بين محاور متنافسة، او يتحول الى فرصة لبناء منظومة امن اقليمية اكثر استقلالا، تقوم على المصالح المشتركة والحوار وعدم السماح للقوى الخارجية بادارة الخلافات الداخلية لمصلحة اجنداتها الخاصة.
وهنا اتمنى ان يكون الاتجاه الثاني هو الذي ينتصر.
ليس لان توحيد دول المنطقة في محور واحد امر سهل، وليس لان الخلافات بينها يمكن محوها بشعارات سياسية، وانما لان المنطقة دفعت ثمنا هائلا نتيجة الانقسام والتدخلات الخارجية وتحويل كل خلاف داخلي الى ساحة لصراع دولي.
اذا كان هناك درس حقيقي من السنوات الماضية، فهو ان الدول التي لا تستطيع بناء منظومة امن اقليمية خاصة بها، ستظل مضطرة الى استيراد امنها من الخارج، ومن يستورد امنه من الخارج يدفع ثمنا سياسيا واقتصاديا في النهاية.
لذلك، فان الاخبار المتداولة اليوم قد لا تكون مجرد تفاصيل منفصلة؛ ربما تكون اجزاء صغيرة من لوحة اكبر تتشكل امام اعيننا.
ايران تبحث عن منفذ اقتصادي الى الشرق، وباكستان تفتح الباب امام تصورات امنية اكثر اتساعا، والسعودية وتركيا تعيدان تعريف علاقاتهما الدولية، والصين وروسيا تدفعان باتجاه نظام عالمي اقل اعتمادا على المركز الغربي.
قد نكون امام بداية مرحلة جديدة بالفعل، لكن نجاحها لن يتوقف على الشعارات، وانما على قدرة دول المنطقة على تحويل التقارب السياسي الى مؤسسات واتفاقيات ومصالح مشتركة حقيقية.
فالمعركة المقبلة لن تكون فقط معركة صواريخ وحدود ونفوذ، بل معركة على من يملك القدرة على صياغة النظام الاقليمي نفسه.
ومن ينجح في بناء هذا النظام، لن يكون مجرد لاعب داخل المنطقة .. بل سيكون احد الذين يحددون شكل المنطقة لسنوات طويلة قادمة.



