سد النهضة .. ماذا وراء الثقة الإثيوبية المتصاعدة ومن يقف في دائرة المستفيدين؟

✍️ يوحنا عزمي
تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي الأخيرة بشأن سد النهضة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تصريحات عابرة لمسؤول حكومي، خصوصًا عندما تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية ، وبعد سنوات من الخلافات بين مصر وإثيوبيا حول قواعد ملء وتشغيل السد ، ومستقبل إدارة الموارد المائية المشتركة.
اللافت في التصريحات ليس فقط تأكيد الوزير أن إثيوبيا لم تستغل بعد الأراضي المحيطة بالسد، وإنما الطريقة التي جرى بها تقديم الأمر، إذ تحدث عن عدم استغلال تلك الأراضي باعتباره نوعاً من «كرم الأخلاق» تجاه دول المصب ، قبل أن يؤكد في الوقت نفسه أن بلاده ستعمل على استثمار مواردها دون انتظار إذن من أحد.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالقضية ليست في حق إثيوبيا في التنمية أو استثمار مواردها الطبيعية، فهذا حق أصيل لا يمكن إنكاره على أي دولة. وإنما السؤال يتعلق بالحدود التي تفصل بين الحق في التنمية والحق في التصرف الأحادي عندما تكون الموارد محل الاستخدام مرتبطة بنهر دولي تتشارك فيه عدة دول ، ويصبح أي قرار منفرد قادراً على إنتاج آثار مباشرة على دول أخرى.
ومن هذه الزاوية ، فإن لهجة التصريحات تحمل دلالة سياسية تتجاوز مضمونها الفني. فحين يعلن مسؤول إثيوبي رفيع المستوى أن بلاده ستستثمر مواردها «دون إذن من أحد»، فإن الرسالة لا تبدو موجهة إلى مصر وحدها، بل تحمل في طياتها تحدياً لفكرة التنسيق الإقليمي نفسها، وللمطالبات الدولية بضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة لإدارة وتشغيل السد.
وهنا يجب التوقف عند نقطة أكثر خطورة: هل نحن أمام مشروع انتهى عند حدود بناء سد لتوليد الكهرباء ، أم أمام رؤية إثيوبية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة المحيطة بالسد وتحويلها إلى مركز متكامل للطاقة والزراعة والاستثمار والتنمية؟
إذا كانت الإجابة هي الاحتمال الثاني، فإن بناء السد يصبح مجرد مرحلة في مشروع أكبر، خصوصًا مع استمرار الحديث الإثيوبي عن تطوير موارد إضافية وبناء منشآت وسدود أخرى ، وهو ما يجعل ملف النهضة مرتبطًا بصورة أوسع بمستقبل حوض النيل وليس فقط بحجم المياه المخزنة خلف السد.
الأكثر إثارة للانتباه هنا هو مستوى الثقة الذي بات يظهر في الخطاب الإثيوبي. فهناك فارق بين أن تقول دولة إنها تتمسك بحقها في التنمية ، وبين أن تتحول لغة الخطاب إلى إعلان صريح عن المضي في السياسات التي تراها مناسبة لها ، بصرف النظر عن اعتراضات دول الجوار أو التحفظات المرتبطة بالقانون الدولي.
وهذا يقودنا إلى السؤال الذي يجب أن يُطرح بعيداً عن الانفعال ونظريات المؤامرة الجاهزة : من أين تستمد إثيوبيا هذه الثقة السياسية والاقتصادية؟ ومن هم الأطراف الذين يمكن أن يستفيدوا من إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والاستثمارية حول سد النهضة؟
هنا تظهر إسرائيل كأحد الملفات التي تستحق الدراسة، لكن ليس باعتبار أن هناك دليلًا قاطعًا على أنها «تدير» المشروع أو تقف خلف كل قرار إثيوبي، فهذا استنتاج أكبر من الأدلة المتاحة. وإنما لأن وجود اهتمام إسرائيلي معلن بالاستثمار في قطاعات مرتبطة بالمياه والزراعة والثروة السمكية داخل إثيوبيا يفرض نفسه كعامل ينبغي ألا يتم تجاهله عند قراءة الصورة الكاملة.
فالاستثمار في إثيوبيا ليس تفصيلاً اقتصادياً منفصلًا عن ملف المياه. عندما تكون القطاعات المستهدفة هي الري والزراعة وإنتاج المحاصيل ومصائد الأسماك ، فإنها ترتبط بصورة مباشرة بإدارة الموارد المائية والاستفادة الاقتصادية من البنية التحتية التي يجري تطويرها حول السد.
وهنا تكمن أهمية تصريحات السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، وما ارتبط بها من حديث عن اهتمام المستثمرين الإسرائيليين بالفرص المتاحة في السوق الإثيوبية. فالمسألة لا تصبح مجرد استثمار تجاري عندما تتقاطع القطاعات الاستثمارية مع قضية استراتيجية بحجم المياه، ومع مشروع بنية تحتية يثير منذ سنوات خلافاً حاداً بين القاهرة وأديس أبابا.
لكن الأخطر من ذلك هو التوقيت.
فالتوسع في الحديث عن الاستثمارات يأتي في سياق متزامن مع تصاعد الخلافات حول تشغيل سد النهضة ، ومع اتهامات مصرية لإثيوبيا بتسييس ملف السد واستخدامه بما يتجاوز الهدف التنموي الذي قدمته أديس أبابا منذ البداية.
ومعنى «تسييس السد» هنا ليس مجرد استخدام خطاب سياسي، وإنما احتمال تحويل منشأة مائية ذات آثار عابرة للحدود إلى أداة ضمن عملية تفاوضية أوسع ، بحيث يصبح التحكم في توقيتات التخزين والتشغيل والتدفقات عنصراً من عناصر الضغط السياسي.
وهذا تحديداً هو جوهر الخلاف.
مصر لا تعترض من حيث المبدأ على حق إثيوبيا في التنمية أو إنتاج الكهرباء، وإنما تتمسك بأن أي استخدام لمورد مائي مشترك يجب أن يتم وفق قواعد واضحة تمنع الضرر وتضمن التنسيق وتراعي مصالح جميع الأطراف.
ومن هنا فإن دخول استثمارات أجنبية إلى قطاعات مرتبطة بالمياه والزراعة في مرحلة ما بعد السد يستحق دراسة جادة ، ليس لأن جنسية المستثمر وحدها تثبت وجود مخطط سياسي ، وإنما لأن طبيعة الاستثمار نفسه قد تمنحه مستقبلًا مصالح مباشرة في كيفية إدارة الموارد والبنية التحتية المرتبطة بها.
وهنا تظهر الصورة الأكثر تعقيداً.
إثيوبيا تريد توسيع قدراتها في الطاقة والتنمية الصناعية والزراعة، وتملك مشروعًا أوسع لاستغلال مواردها المائية ، بينما تبحث قوى إقليمية ودولية عن موطئ قدم اقتصادي وسياسي في القرن الأفريقي. وفي المقابل ، تنظر مصر إلى نهر النيل باعتباره قضية وجودية لا يمكن فصلها عن أمنها القومي.
عندما تتقاطع هذه المصالح الثلاثة ، يصبح من السذاجة التعامل مع كل حدث باعتباره منفصلًا عن الآخر.
لكن في الوقت نفسه، من الخطأ أيضاً القفز إلى نتيجة تقول إن «إسرائيل هي التي تقف خلف كل ما تفعله إثيوبيا». السياسة الدولية أكثر تعقيداً من هذه المعادلات المباشرة. إثيوبيا لديها حساباتها الخاصة، ومصالحها الوطنية، وطموحاتها الإقليمية، ولا يمكن اختزال قرارها في إرادة طرف خارجي واحد.
السؤال الأكثر أهمية ليس: «من يعطي إثيوبيا الأوامر؟»
بل: «من يستفيد من البيئة الجديدة التي تتشكل حول سد النهضة؟ ومن يسعى إلى أن يكون حاضراً داخلها اقتصادياً وسياسياً وأمنياً؟»
وهذا السؤال أكثر واقعية وأكثر خطورة في الوقت نفسه.
فالدول لا تحتاج دائماً إلى أن تتلقى تعليمات مباشرة من قوة كبرى حتى تتحول إلى شريك في ترتيبات تخدم مصالح تلك القوة. أحياناً يكفي أن تتقاطع المصالح، وأن تتوافر الاستثمارات، وأن تتشكل شبكات اقتصادية وسياسية تجعل طرفاً ما جزءًا من مستقبل المشروع.
ومن هنا يجب أن تتابع مصر ليس فقط حجم المياه التي تُخزن خلف سد النهضة، وإنما أيضاً ما يحدث أمامه وحوله وبعده: من يستثمر؟ وفي أي قطاعات؟ ومن يمول؟ ومن يقدم التكنولوجيا؟ ومن يدخل في مشروعات الزراعة والري والطاقة؟ ومن سيكون حاضرًا عندما تبدأ إثيوبيا في توسيع مشاريعها المائية والتنموية؟
لأن معركة سد النهضة ، في صورتها الجديدة ، قد لا تكون معركة مياه فقط.
قد تتحول تدريجياً إلى معركة نفوذ واستثمارات ومصالح وشبكات اقتصادية، يصبح فيها السد نقطة ارتكاز داخل مشروع أكبر لإعادة تشكيل موازين القوى في القرن الأفريقي وحوض النيل.
وفي النهاية ، يجب أن نتعامل مع هذا الملف بعقل بارد لا بعقل المؤامرة ، ولكن أيضاً من دون سذاجة سياسية.
فليس كل تحرك إسرائيلي في إثيوبيا دليلًا على مؤامرة ضد مصر، كما أن تجاهل هذا الحضور الاقتصادي والسياسي بحجة أنه مجرد استثمار تجاري سيكون خطأ استراتيجياً.
المطلوب هو الأدلة ، وربط الوقائع ، ومراقبة المصالح التي تتشكل على الأرض.
أما الرسالة الأخطر في التصريحات الإثيوبية الأخيرة، فهي أن أديس أبابا تبدو مصممة على تثبيت قاعدة جديدة في تعاملها مع ملف المياه: «سنفعل ما نراه مناسباً لمصالحنا».
وهنا تحديداً يجب أن يكون السؤال المصري حاضراً بقوة: إذا كانت إثيوبيا تنتقل من مرحلة بناء السد إلى مرحلة استثمار ما حوله وتوسيع منظومتها المائية والتنموية، فما هي القواعد التي ستحكم هذه المرحلة؟ ومن سيضمن ألا يتحول الأمر من مشروع تنموي إلى واقع استراتيجي جديد يُفرض على دولتي المصب؟
القضية إذن لم تعد فقط : ماذا فعلت إثيوبيا بالسد؟
القضية أصبحت : ماذا تريد إثيوبيا أن تفعل بعد السد، ومن سيكون حاضراً داخل هذا المستقبل؟
وهذه هي النقطة التي تستحق أن تُقرأ بعناية، لأن أخطر التحولات الجيوسياسية لا تبدأ دائماً بقرار عسكري كبير ، وإنما قد تبدأ باستثمار ، ثم شراكة ، ثم بنية تحتية ، ثم مصالح متشابكة، وفي النهاية يصبح تغيير موازين القوى أمراً واقعاً.
وفي السياسة الدولية ، لا توجد رفاهية تجاهل التفاصيل الصغيرة عندما تكون مرتبطة بملف بحجم نهر النيل.



