الضربات الإسرائيلية في سوريا .. لماذا تستهدف إسرائيل النفوذ التركي بعد إضعاف إيران؟

بقلم الكاتب | يوحنا عزمي مرزوق
باحث في الشؤون الإقليمية والدولية
ما جرى بالأمس من تنفيذ إسرائيل ثماني غارات جوية داخل الأراضي السورية، واستهداف قاعدة عسكرية في ريف إدلب الشرقي ، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد عملية عسكرية عابرة أو ضربة مرتبطة بتطور أمني محدود. فمثل هذه العمليات، خصوصاً عندما تكون كثيفة ومركزة وتؤدي إلى تدمير منشأة عسكرية بهذا الحجم ، تحمل في العادة رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز الهدف المباشر للغارات.
والسؤال الأكثر إثارة هنا ليس فقط : لماذا قصفت إسرائيل سوريا؟ وإنما : لماذا تستهدف إسرائيل قاعدة عسكرية في منطقة يفترض أن وجود أحمد الشرع فيها يمثل ، من زاوية المصالح الأمريكية والإسرائيلية ، جزءًا من معادلة جديدة تقوم على إبعاد إيران وتقليص قدرتها على إعادة بناء خطوط الدعم إلى حزب الله؟
ظاهرياً ، قد يبدو الأمر متناقضاً.
فأحد أهم المصالح التي تلتقي عندها الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما أطراف إقليمية أخرى مثل السعودية، يتمثل في الحد من النفوذ الإيراني داخل سوريا، وقطع الطريق أمام إعادة إنشاء خطوط إمداد برية إيرانية باتجاه حزب الله في لبنان. ومن هذه الزاوية ، فإن وجود سلطة سورية جديدة تتعهد بتقييد النفوذ الإيراني يمكن أن يخدم هدفاً إسرائيلياً واضحاً.
لكن المشكلة أن إسرائيل لا تنظر إلى المشهد من زاوية واحدة.
الإسرائيليون، في الحسابات الاستراتيجية، لا يتعاملون مع المعادلة بمنطق: “إذا كان هذا الطرف يخدم مصلحتي في ملف معين، فأنا أقبل تلقائياً بتعاظم نفوذه في ملفات أخرى”. على العكس، أحد أهم مبادئ التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي هو محاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب في الوقت نفسه، ومنع أي قوة إقليمية أخرى من تحويل مكسب مؤقت إلى نفوذ استراتيجي طويل المدى يمكن أن يتحول مستقبلًا إلى تهديد.
وهنا تحديداً تصبح تركيا جزءاً أساسياً من تفسير ما جرى.
فمنذ سقوط نظام بشار الأسد وصعود السلطة الجديدة في دمشق، لم يعد الصراع على سوريا محصوراً في سؤال النفوذ الإيراني. فقد بدأت تتشكل معادلة جديدة تتداخل فيها المصالح التركية والأمريكية والإسرائيلية والروسية، إلى جانب حسابات القوى العربية والإقليمية. وفي قلب هذه المعادلة يظهر الدور التركي باعتباره أحد أكبر المتغيرات التي يمكن أن تعيد تشكيل ميزان القوى داخل سوريا.
أنقرة لا تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد دولة جارة، وإنما باعتبارها مساحة أمن قومي ونفوذ استراتيجي. ولذلك فإن تعزيز الحضور التركي ، سواء سياسياً أو أمنياً أو عسكرياً ، داخل الأراضي السورية، يمثل بالنسبة لإسرائيل مسألة مختلفة تمامًا عن مسألة مواجهة إيران.
وهنا يجب التوقف عند نقطة شديدة الأهمية : الخلافات بين إسرائيل وتركيا ليست وليدة اللحظة، كما أنها لا تنفصل عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستقبل النفوذ في سوريا.
فواشنطن قد ترى في تركيا شريكاً قادراً على التأثير في السلطة الجديدة بدمشق، بينما ترى إسرائيل في تنامي النفوذ التركي احتمالًا لظهور قوة إقليمية أخرى على حدودها الشمالية ، خصوصاً إذا تحولت سوريا تدريجياً إلى مساحة نفوذ تركية ذات بنية عسكرية وأمنية مستقرة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تتعامل إسرائيل مع المشهد السوري بمنطق “إيران خرجت إذن انتهى الخطر”.
إسرائيل تريد بالفعل إضعاف إيران ومنع عودة خطوط الإمداد إلى حزب الله، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تخرج إيران من المعادلة لكي تدخل تركيا مكانها كقوة إقليمية عسكرية تمتلك قواعد ومنشآت وقدرات داخل سوريا.
وهذا هو جوهر المسألة.
فالمعلومات المتداولة بشأن استهداف القاعدة العسكرية في ريف إدلب الشرقي تشير إلى أنها كانت تضم منشآت ومدرجات ومخازن، وأن موقعها القريب نسبياً من الحدود التركية يجعلها ذات أهمية عسكرية وجغرافية بالغة. وإذا صح أن إسرائيل رصدت تحركات أو تعزيزات عسكرية تركية مرتبطة بهذه القاعدة، فإن استهدافها يصبح مفهوماً ضمن استراتيجية أوسع هدفها منع تشكل بنية عسكرية تركية مستقرة داخل الأراضي السورية.
بمعنى آخر، الضربة لا تستهدف فقط ما هو موجود داخل القاعدة الآن، وإنما تستهدف أيضاً ما يمكن أن تصبح عليه القاعدة مستقبلًا.
وهذه نقطة جوهرية في فهم العمليات الإسرائيلية.
عندما تقوم إسرائيل بتدمير منشأة عسكرية بصورة واسعة، فإنها لا تنظر بالضرورة إلى المعدات الموجودة فيها لحظة القصف فقط، وإنما إلى الوظيفة التي يمكن أن تؤديها المنشأة خلال السنوات المقبلة. ولذلك فإن تدمير المدرجات والمخازن والبنية التحتية العسكرية قد يكون هدفه الأساسي منع إعادة تشغيل الموقع أو إعادة تأهيله وتحويله إلى مركز عسكري أكثر تطوراً.
إذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن إسرائيل تريد توجيه رسالة مباشرة إلى أنقرة ودمشق في الوقت نفسه: تغيير السلطة في دمشق لا يعني أن المجال السوري أصبح مفتوحاً أمام بناء نفوذ عسكري تركي بلا حدود.
وهنا تظهر براعة الحساب الإسرائيلي في إدارة الصراعات المتوازية.
إسرائيل لا تريد فقط منع إيران من إعادة بناء نفوذها، وإنما تريد أيضاً أن تمنع تركيا من ملء الفراغ الذي تركته إيران. ولا تريد أن تتحول سوريا من دولة كانت تمثل منصة للنفوذ الإيراني إلى منصة جديدة للنفوذ التركي.
وهذا يفسر أيضاً لماذا يجب ألا ننظر إلى ما يحدث في سوريا ولبنان وفلسطين والجولان باعتباره ملفات منفصلة تمامًا.
هناك خيط استراتيجي يربط بين هذه المساحات، حتى وإن اختلفت الأدوات والظروف في كل جبهة. إسرائيل تحاول منذ سنوات إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها ، وتوسيع هامش الحركة العسكرية والسياسية الذي يسمح لها بالتعامل مع مصادر التهديد وفق رؤيتها الخاصة، سواء كانت إيران أو حزب الله أو أي قوة إقليمية أخرى يمكن أن تتحول إلى منافس مستقبلي.
لكن هنا تحديداً يجب الحذر من المبالغة في تفسير كل تحرك إسرائيلي باعتباره جزءًا من خطة واحدة مكتملة التفاصيل. السياسة الإسرائيلية ليست بالضرورة مشروعاً واحداً يسير بخط مستقيم ، وإنما هي مجموعة من الحسابات الأمنية والسياسية التي تتقاطع أحيانًا وتتصادم أحياناً أخرى. كما أن إسرائيل نفسها تتحرك داخل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد ، ولا تستطيع تنفيذ كل ما تريده بلا قيود.
ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر هو التعامل مع هذه الضربات باعتبارها أحداثاً منفصلة لا رابط بينها.
فالرسالة الأهم في مثل هذه العمليات ليست دائماً ما تقوله إسرائيل علنًا، وإنما ما تريد أن يفهمه الآخرون من قدرتها على استخدام القوة في اللحظة التي تراها مناسبة.
وهنا تحديداً ينبغي أن تعيد الدول العربية النظر في طريقة التعامل مع التحولات الجارية في المنطقة.
الاعتماد على بيانات الإدانة والاستنكار وحدها لا يصنع توازناً استراتيجياً، كما أن التعامل مع كل أزمة باعتبارها أزمة منفصلة يؤدي في النهاية إلى فقدان القدرة على رؤية الصورة الأكبر. المنطقة تتغير بسرعة، وموازين القوى التي كانت قائمة قبل سنوات لم تعد هي نفسها اليوم.
المشكلة ليست فقط في القوة العسكرية الإسرائيلية ، وإنما في القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى أداة لفرض وقائع سياسية جديدة قبل أن يتمكن الآخرون من صياغة رد استراتيجي عليها.
وهذا هو الفارق الحقيقي بين من يتحرك وفق استراتيجية طويلة المدى، ومن يكتفي بإدارة الأزمات بعد وقوعها.
إذا استمر الواقع العربي على حاله من الانقسام والتعامل مع التطورات بمنطق رد الفعل، فإن الخطر لا يكمن فقط في خسارة موقف هنا أو موقع هناك ، وإنما في أن تجد الدول العربية نفسها أمام مجموعة من الوقائع الجديدة التي أصبحت أمراً واقعاً يصعب تغييره.
الأخطر من ذلك أن تعدد الأزمات يمكن أن يتحول إلى وسيلة استنزاف بحد ذاته؛ أزمة تفتح الباب لأزمة أخرى، ثم يأتي الصراع على الحدود، ثم ملف أمني، ثم أزمة سياسية ، ثم ضغط اقتصادي ، بحيث تجد الأطراف العربية نفسها منشغلة طوال الوقت بالدفاع عن نفسها وإدارة الأزمات المتتالية، بدلًا من امتلاك القدرة على المبادرة وصناعة الأحداث.
وهنا يجب أن نفهم العقلية الإسرائيلية بصورة أكثر دقة.
المسألة ليست أن إسرائيل تتحرك دائماً وفق مؤامرة واحدة مغلقة التفاصيل، وإنما أنها تحاول باستمرار استغلال الفرص المتاحة لتغيير البيئة الاستراتيجية المحيطة بها ، ومنع أي قوة إقليمية من الوصول إلى وضع يسمح لها بتهديد التفوق الإسرائيلي مستقبلًا.
ولهذا فإن الضربة الإسرائيلية في سوريا، إذا تأكد ارتباطها بتحركات عسكرية تركية في تلك القاعدة ، تحمل دلالة أكبر من حجم الهدف العسكري نفسه.
فهي تقول ببساطة إن إسرائيل قد تتفق مع تركيا أو الولايات المتحدة أو أي طرف آخر في ملف، لكنها لن تسمح لهذا الاتفاق بأن يتحول إلى تفويض مفتوح يمنح الطرف الآخر نفوذاً استراتيجياً لا تستطيع إسرائيل التحكم في حدوده.
وهنا تحديداً تكمن أهمية متابعة ما سيحدث بعد هذه الضربات.
فالقصة الحقيقية لا تتوقف عند القاعدة التي تم تدميرها، وإنما تبدأ بالسؤال: ماذا ستفعل تركيا؟ وكيف سترد دمشق؟ وهل ستسعى أنقرة إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية في موقع آخر؟ وهل ستتدخل واشنطن لاحتواء الخلاف بين حليفيها؟ وهل ستتحول سوريا خلال المرحلة المقبلة إلى ساحة تنافس تركي ـ إسرائيلي بصورة أكثر وضوحاً؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
وإذا تطورت الأحداث في هذا الاتجاه، فإن ما جرى اليوم قد يُنظر إليه لاحقاً باعتباره واحدة من الضربات التي كشفت مبكراً عن طبيعة الصراع القادم على سوريا: صراع لا يتعلق فقط بمن يخرج منه، وإنما بمن يملأ الفراغ بعد خروجه.
وهنا تصبح الصورة أكبر من ثماني غارات جوية.
إنها معركة على شكل سوريا المقبلة، وعلى حدود النفوذ فيها، وعلى من يمتلك القدرة على بناء القوة داخلها ، وعلى أي قوة إقليمية ستتمكن في النهاية من تحويل نفوذها السياسي إلى نفوذ عسكري طويل المدى.
ولهذا، فإن متابعة الملف السوري خلال الفترة المقبلة لن تكون مهمة فقط لفهم ما يحدث داخل سوريا، وإنما لفهم الاتجاه الذي يمكن أن تتحرك فيه خريطة القوى في الشرق الأوسط بأكمله.



