تركيا وإيران في مواجهة إسرائيل.. هل يتشكل محور جديد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟

✍️ يوحنا عزمي
ما يجري بين تركيا وإسرائيل لا يمكن اختزاله في مجرد خلاف سياسي عابر، أو تباين في المواقف تجاه ملفات إقليمية محددة، لأن طبيعة العلاقة بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة تكشف عن انتقال تدريجي من مرحلة التنافس السياسي إلى مرحلة أكثر تعقيداً يمكن وصفها بأنها «حرب غير مباشرة»، أو ما يُعرف في أدبيات الصراع الاستراتيجي بـ«حرب الظل». هي حرب لا تُدار بالضرورة عبر مواجهة عسكرية مفتوحة، وإنما من خلال النفوذ، والتحالفات، والأدوات الأمنية والاستخباراتية، وإعادة تشكيل مناطق النفوذ، واستخدام الأطراف الإقليمية كساحات اختبار للقوة.
وفي مثل هذه الصراعات ، لا يكون غياب الاشتباك المباشر دليلًا على غياب الحرب ، بل قد يكون أحيانًا تعبيراً عن إدراك الطرفين أن المواجهة المباشرة ستكون مكلفة إلى درجة تجعل الاشتباك غير المباشر أكثر فاعلية وأقل مخاطرة. ولهذا فإن ما يبدو على السطح خلافاً بين أنقرة وتل أبيب قد يكون في جوهره صراعاً على شكل النظام الإقليمي نفسه ، وعلى من يمتلك القدرة على التأثير في الجغرافيا التي تفصل بينهما.
الأكثر أهمية أن الطرفين بدأا ينظران إلى بعضهما باعتبارهما منافساً استراتيجياً طويل الأمد. وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل الصراع مختلفاً عن الخلافات السياسية التقليدية؛ فالخلاف السياسي يمكن احتواؤه عندما تتغير المصالح أو الحكومات، أما عندما يتحول الطرف الآخر إلى «منافس استراتيجي» فإن المشكلة تصبح مرتبطة ببنية القوة والنفوذ ذاتها.
وتزداد خطورة هذه المعادلة بسبب الجغرافيا. فتركيا وإسرائيل ليستا قوتين منفصلتين جغرافيًا تماماً ، فهناك المجال السوري الذي يشكل نقطة التقاء مباشرة بين الحسابات التركية والإسرائيلية.
وسوريا هنا ليست مجرد دولة تقع بين الطرفين، وإنما تمثل مساحة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح تركيا وإسرائيل وإيران وروسيا والولايات المتحدة ، ولذلك فإن أي تغير في ميزان القوى داخل سوريا ينعكس بصورة مباشرة على حسابات أنقرة وتل أبيب.
ولهذا فإن الحديث عن مواجهة تركية إسرائيلية مباشرة لا يعني بالضرورة أنها ستندلع غداً أو أنها أصبحت أمراً محسوماً من الناحية العسكرية ، فهناك اعتبارات سياسية ودولية واقتصادية وأمنية كثيرة قد تؤجلها أو تمنع تحولها إلى حرب مفتوحة. لكن من منظور استراتيجي، فإن استمرار تضارب المصالح واتساع نطاق التنافس يجعل احتمالات الاحتكاك أكبر مع مرور الوقت، خصوصاً إذا استمر الطرفان في توسيع دوائر نفوذهما داخل سوريا والمنطقة.
وهنا تظهر نقطة أخرى شديدة الأهمية تتعلق بطبيعة ميزان القوة. إسرائيل تمتلك تفوقاً نوعياً كبيراً في التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية وسلاح الجو والقدرات السيبرانية، كما أن لديها شبكة واسعة من العلاقات الدولية ومصادر متعددة للدعم. وفي المقابل، تمتلك تركيا عناصر قوة مختلفة تماماً ؛ فهي دولة ذات كتلة سكانية واقتصادية وعسكرية كبيرة، وعضو في حلف الناتو، وتمتلك صناعة دفاعية متنامية، وموقعاً جغرافياً يجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في الشرق الأوسط والبحر الأسود والبحر المتوسط والقوقاز.
ومن هنا يمكن فهم لماذا قد تبحث تركيا، في حال ازداد الضغط الإسرائيلي عليها ، عن توسيع دوائر التحالف والتنسيق مع قوى إقليمية أخرى ، وفي مقدمتها إيران.
لكن الحديث عن تحالف تركي إيراني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نتيجة تلقائية أو حتمية ، لأن العلاقة بين أنقرة وطهران نفسها تحمل تاريخاً طويلًا من التنافس والشكوك وتعارض المصالح. إلا أن التاريخ الاستراتيجي يثبت أن الدول قد تتجاوز خلافاتها عندما تشعر بوجود تهديد مشترك أو عندما تصبح كلفة الصراع فيما بينها أكبر من فوائد استمرار التنافس.
وهنا تحديداً تصبح إيران بالنسبة إلى تركيا أكثر من مجرد دولة مجاورة. فإيران تمثل قوة إقليمية كبرى تمتلك نفوذاً واسعاً في العراق ولبنان، وتمتلك شبكة علاقات ونفوذ ممتدة داخل المشرق، بينما تمتلك تركيا ثقلًا أكبر في سوريا ، إلى جانب امتداداتها في القوقاز وآسيا الوسطى ومناطق أخرى. وبالتالي فإن الجمع بين النفوذين التركي والإيراني ، إذا حدث بدرجة عالية من التنسيق، يمكن أن ينتج كتلة جيوسياسية ذات وزن استثنائي.
ولفهم حجم التحول المحتمل، علينا أن ننظر إلى المسألة من زاوية التاريخ الطويل ، لا من زاوية الأحداث اليومية فقط.
فالشرق الأوسط، عبر قرون طويلة، لم يكن مجرد مساحة تتنافس فيها دول حديثة ، بل كان مسرحاً لصراع مستمر بين مراكز قوى كبرى تشكلت حول الهضبة الإيرانية وهضبة الأناضول. وقبل ظهور الإسلام أصلًا ، كانت المنطقة تشهد صراعًا بين إمبراطوريات كبرى، وفي مقدمتها الإمبراطورية الساسانية في المجال الفارسي والإمبراطورية البيزنطية في المجال الأناضولي.
ثم جاء العصر الإسلامي ليعيد إنتاج هذه المعادلة بأشكال مختلفة. فالإمبراطورية العباسية ، رغم طبيعتها العربية الهاشمية من حيث الشرعية السياسية، تأثرت بدرجات متفاوتة بنفوذ القوى الفارسية والتركية ، ومع مرور الزمن تصاعد الدور التركي داخل الدولة الإسلامية، خصوصًا منذ عهد الخليفة المعتصم، ثم تطور لاحقاً إلى سلطات وسلالات تركية متعاقبة وصولًا إلى الإمبراطورية العثمانية.
وفي المقابل، ظلت الهضبة الإيرانية طوال هذه المراحل مركزاً مستقلًا من مراكز القوة، لا يمكن إلغاء تأثيره أو إخراجه من المعادلة. ولذلك فإن النظر إلى تركيا وإيران باعتبارهما دولتين ظهرتا في اللحظة الراهنة فقط يختزل التاريخ بصورة شديدة؛ نحن أمام مركزين حضاريين وجيوسياسيين حافظا، رغم تغير الأنظمة والإمبراطوريات ، على قدر كبير من الأهمية الاستراتيجية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تقارب تركي إيراني واسع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد صفقة سياسية بين حكومتين، وإنما باعتباره احتمالًا لإعادة تجميع ثقل جيوسياسي تاريخي يمتد من الأناضول إلى الهضبة الإيرانية.
الأكثر حساسية أن هذا التقارب ، إذا تحول من مجرد تنسيق تكتيكي إلى شراكة استراتيجية حقيقية، فلن يتوقف تأثيره عند حدود تركيا وإيران. فتركيا تمتلك نفوذاً مؤثراً في سوريا، بينما تمتلك إيران نفوذاً تاريخياً وسياسياً وأمنياً واسعاً في العراق ولبنان. وبالتالي فإن وجود تقاطع استراتيجي حقيقي بين أنقرة وطهران يمكن أن يخلق، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مساحة إقليمية متصلة تمتد من الأناضول عبر سوريا والعراق وصولًا إلى لبنان.
وهنا تحديداً يمكن أن تتغير قواعد اللعبة.
لأن القضية لن تكون مجرد تحالف بين دولتين، وإنما إعادة تشكيل لممر جيوسياسي كامل. وعندما تتصل المصالح التركية بالإيرانية داخل سوريا والعراق، فإن ذلك سيخلق واقعاً جديداً بالنسبة إلى إسرائيل ، وكذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة وروسيا والدول العربية والقوى الآسيوية.
أما الحديث عن باكستان وأفغانستان، فيحتاج إلى قدر من الحذر؛ فإدخالهما في أي منظومة مستقبلية لا يمكن اعتباره أمرًا تلقائياً، لأن لكل دولة منهما حساباتها الخاصة ، لكن الجغرافيا والتاريخ والمصالح الأمنية والاقتصادية تجعل أي تحول كبير في العلاقة التركية الإيرانية قادراً على التأثير في البيئة الاستراتيجية الممتدة شرقاً، خصوصاً إذا تزامن مع تغيرات في علاقات باكستان مع تركيا وإيران ومع التحولات الجارية في آسيا الوسطى وجنوب آسيا.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية الأهم: أن التنافس بين القوى الكبرى في هذه المنطقة كان ، في كثير من المراحل، سبباً في استنزافها أكثر مما كان مصدراً لقوتها. فكلما دخلت مراكز القوة الإقليمية في صراعات طويلة فيما بينها، أصبحت مساحة التدخل الخارجي أكبر، وتحولت المنطقة إلى ساحة تنافس للقوى الدولية.
أما إذا استطاعت هذه القوى أن تنتقل من منطق الصراع البيني إلى منطق المصالح المشتركة، فإن المعادلة يمكن أن تنقلب تمامًا.
وهذا هو جوهر الفكرة.
إن التقارب التركي الإيراني، إذا حدث، لن يكون مجرد رد فعل على إسرائيل، ولن يكون بالضرورة تحالفًا أيديولوجياً أو تطابقاً كاملًا في الرؤى. الأكثر واقعية أن يكون تحالف مصالح ، تحركه الرغبة في منع طرف ثالث من فرض هيمنة منفردة على البيئة الإقليمية.
لكن حتى هذا التحالف لن يكون سهلًا، لأن تركيا وإيران لديهما أيضاً اختلافات عميقة في الرؤية تجاه سوريا والعراق والقوقاز والملف الكردي والنفوذ الإقليمي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع تركيا وإيران أن تتحالفا؟ وإنما : هل تستطيعان إدارة خلافاتهما بطريقة تمنعها من تدمير المصالح المشتركة؟
إذا كانت الإجابة نعم ، فإننا قد نكون أمام تغير استراتيجي بالغ الأهمية.
فالشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقود الماضية قام إلى حد كبير على توازنات متحركة بين إسرائيل وإيران وتركيا والدول العربية والقوى الدولية. أما ظهور محور تركي إيراني أكثر تماسكاً، مع امتدادات محتملة في العراق وسوريا ولبنان ، فسوف يفرض إعادة حساب شاملة لكل طرف.
عندها لن تكون المسألة مجرد «حرب ظل» بين تركيا وإسرائيل، وإنما صراعاً على شكل النظام الإقليمي القادم: من يملك النفوذ؟ من يحدد قواعد اللعبة؟ ومن يستطيع تحويل الجغرافيا إلى قوة سياسية؟
ولهذا فإن ما يجري اليوم قد يبدو للبعض مجرد سلسلة من الخلافات والتصريحات والتحركات المتفرقة، لكنه من منظور أوسع قد يكون جزءًا من عملية إعادة ترتيب تاريخية لموازين القوة في الشرق الأوسط.
والأهم أن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة حرفية، لكنه أحياناً يعيد إنتاج الجغرافيا نفسها في صورة جديدة.
وعندما تلتقي قوة الأناضول مع قوة الهضبة الإيرانية ، فإننا لا نتحدث فقط عن دولتين تتعاونان في مواجهة خصم مشترك، وإنما عن احتمال ظهور مركز قوة جديد قادر على إعادة تعريف حدود النفوذ في الشرق الأوسط، وفتح صفحة مختلفة تماماً عن تلك التي عرفناها خلال العقود الماضية.
وفي النهاية، تبقى المعركة الحقيقية ليست فقط في من يملك السلاح الأقوى ، وإنما في من يستطيع بناء شبكة النفوذ الأكثر تماسكاً، ومن ينجح في تحويل موقعه الجغرافي إلى قوة سياسية، وتحويل خصومه المشتركين إلى حافز لبناء تحالفات جديدة.
فإذا نجحت أنقرة وطهران في تجاوز إرث التنافس بينهما، فقد لا يكون التغيير القادم مجرد تعديل في موازين القوى، بل إعادة صياغة للمشهد الاستراتيجي للمنطقة بأكملها.



