40 ألف قنبلة أمريكية لإسرائيل.. هل تستعد المنطقة لجولة جديدة من الحرب؟

✍️ يوحنا عزمي
إذا أردت أن تفهم إلى أين يمكن أن تتجه المنطقة خلال المرحلة المقبلة ، فلا تنظر فقط إلى ما يحدث فوق شاشات الأخبار الآن، وإنما انظر أيضا إلى ما يجري في مخازن السلاح، وما يتم تجهيزه خلف الأبواب المغلقة ، لأن أخطر ما في الحروب أحيانا لا يكون في القنابل التي سقطت بالفعل ، وإنما في تلك التي يجري إعدادها للسقوط لاحقا.
واللافت هنا أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تستعد لصفقة تسليح ضخمة مع إسرائيل بقيمة تقارب 2.8 مليار دولار، تتضمن 40 ألف قنبلة من فئة 2000 رطل، أي ما يقارب 907 كيلوجرامات للقنبلة الواحدة، موزعة بحسب التقارير بين 20 ألف قنبلة MK-84 و20 ألف قنبلة BLU-117، إلى جانب 20 ألف رأس حربي من طراز I-2000 Penetrator المصمم لاختراق الأهداف والمنشآت المحصنة. وتقول التقارير الأمريكية إن هذه الصفقة، إذا تمت، ستكون من أكبر صفقات هذا النوع من الذخائر التي تحصل عليها إسرائيل في السنوات الأخيرة.
وهنا يجب أن نتوقف قليلا أمام الأرقام، لأن الرقم وحده كفيل بأن يشرح حجم المسألة.
نحن لا نتحدث عن ذخائر خفيفة أو صواريخ محدودة التأثير، وإنما عن قنابل تزن الواحدة منها قرابة طن، وهي من أكثر الذخائر التقليدية تدميرا في الترسانة الأمريكية. فقنبلة MK-84 على سبيل المثال مصممة لإحداث انفجار واسع وقدرة تدميرية كبيرة، ويمكنها اختراق الخرسانة والمنشآت الثقيلة وإحداث أضرار كبيرة في مساحة واسعة حول نقطة الانفجار. أما بعض الذخائر الخارقة للتحصينات ، فهي مصممة أصلا للوصول إلى أهداف محصنة أو مدفونة تحت الأرض.
ولهذا فإن القضية لا تتعلق فقط بعدد القنابل، وإنما بالسؤال الأهم: أين يمكن أن تستخدم هذه القنابل ، وفي أي نوع من البيئات؟
فالذخيرة التي قد تكون موجهة ضد منشأة عسكرية محصنة في منطقة مفتوحة تختلف تماما في آثارها عندما تستخدم في مدينة مكتظة بالسكان ، حيث تتحول القوة التدميرية للذخيرة إلى خطر واسع على المباني والبنية التحتية والمدنيين الموجودين في محيط الهدف.
وهذا تحديدا هو أحد أسباب الجدل الذي أثارته هذه الصفقة في واشنطن ، إذ سبق لإدارة جو بايدن أن أوقفت في عام 2024 شحنة من القنابل زنة 2000 رطل بسبب مخاوف تتعلق باستخدامها في مناطق مأهولة بالسكان في غزة، قبل أن يرفع ترامب هذا التعليق بعد عودته إلى البيت الأبيض. كما تشير التقارير إلى أن إسرائيل استخدمت بالفعل ذخائر أمريكية من هذه الفئة في غزة ولبنان.
لكن هناك تفصيلة أخرى ربما تكون أكثر أهمية من حجم القنابل نفسها ، وهي: من الذي يدفع ثمنها؟
لأن وصف الأمر بأنه مجرد “صفقة أسلحة” قد يجعل الصورة ناقصة. التقارير الأمريكية توضح أن الجزء الأكبر من هذه الصفقة سيمول من خلال برنامج التمويل العسكري الخارجي الأمريكي Foreign Military Financing، أي أن الحكومة الأمريكية توفر التمويل الذي تستخدمه إسرائيل في شراء الأسلحة الأمريكية.
وبمعنى أكثر وضوحا، فإن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تدخل في تمويل هذه المنظومة العسكرية ، بينما تعود الأموال في النهاية إلى شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية المنتجة لهذه الذخائر.
وهذا يفتح الباب أمام قراءة أوسع من مجرد الحديث عن قنابل جديدة.
فالولايات المتحدة لا ترسل لإسرائيل ذخائر فحسب، وإنما تحافظ على قدرة عسكرية إسرائيلية كبيرة على الاستمرار في العمليات لفترة طويلة. وحتى لو كانت عملية التصنيع والتسليم ستحتاج إلى سنوات، فإن مجرد إقرار الصفقة يحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة بشأن طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وبشأن استعداد الإدارة الأمريكية لمواصلة تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية رغم حجم الانتقادات الدولية المرتبطة بالحرب في غزة والعمليات العسكرية في المنطقة.
وهنا تبدأ النقطة الأكثر حساسية في المشهد.
لأن المنطقة لا تعيش حربا واحدة منفصلة يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة محدودة في غزة أو لبنان أو اليمن، وإنما تعيش منذ سنوات عملية تشابك متزايدة بين عدة ساحات : غزة ، ولبنان ، وسوريا ، واليمن ، وإيران ، والبحر الأحمر ، والخليج ، والطاقة والممرات البحرية.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا تحتاج إسرائيل إلى كل هذه القنابل؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ما طبيعة السيناريو العسكري الذي تستعد له المنطقة؟
لا يمكن الجزم من مجرد صفقة أسلحة بأن إسرائيل تستعد حتما لحرب جديدة ضد دولة بعينها، ولا توجد في التقارير المنشورة التي اطلعت عليها أدلة تسمح بالقول إن هذه القنابل مخصصة تحديدا للبنان أو لفلسطين أو لأي ساحة أخرى. لكن من الناحية الاستراتيجية، فإن امتلاك هذا الحجم من الذخائر الثقيلة يمنح إسرائيل قدرة إضافية على تنفيذ عمليات جوية واسعة النطاق ضد أهداف محصنة أو منشآت كبيرة إذا اتخذت القيادة السياسية قراراً بذلك.
وهنا تكمن خطورة اللحظة.
لأن الشرق الأوسط لم يعد يتحرك وفقا لمنطق الجبهات المنفصلة. أي تصعيد في اليمن يمكن أن ينعكس على أمن البحر الأحمر، وأي اضطراب في الخليج يمكن أن يؤثر على أسواق الطاقة، وأي مواجهة مع إيران يمكن أن تمتد آثارها إلى إسرائيل ولبنان وسوريا والعراق واليمن، بينما تظل غزة ولبنان من أكثر الساحات هشاشة أمام أي انفجار جديد.
وفي مثل هذه البيئة، يصبح تراكم السلاح عاملا يزيد من احتمالات اتساع هامش الخيارات العسكرية ، حتى لو لم يكن ذلك دليلا بحد ذاته على أن حربا شاملة ستندلع.
أما الحديث عن إسقاط طائرة سعودية من طراز F-15، فيجب التعامل معه بحذر شديد؛ فالمعلومة، حتى الآن، جاءت من مصدر حوثي ولم أجد في المصادر التي راجعتها تأكيداً رسمياً سعودياً مستقلا لها. ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها حقيقة محسومة.
لكن حتى بعيداً عن هذه الواقعة تحديداً، فإن المشهد الإقليمي الأوسع يكشف عن شيء أخطر: المنطقة أصبحت تتحرك فوق أرض شديدة الاشتعال ، وأصبحت الأحداث في اليمن والخليج وإيران وإسرائيل ولبنان مترابطة بدرجة تجعل الفصل بينها أمراً بالغ الصعوبة.
وهنا أختلف مع القراءة التي ترى أن إسرائيل تقف ببساطة “خلف الكواليس” وتنتظر أن ينتهي الآخرون من تدمير أنفسهم لكي تحصد الغنائم. هذه صياغة تفسيرية تحتاج إلى أدلة على النوايا، ولا يمكن إثباتها بمجرد وجود صفقة أسلحة.
لكن يمكننا، في المقابل، أن نتحدث عن حقيقة أكثر قابلية للإثبات: كلما اتسعت دائرة الصراع الإقليمي ، وكلما انشغلت القوى العربية والإقليمية بجبهات متعددة في الوقت نفسه ، تتغير موازين القوة والاهتمام والموارد ، وتصبح الدول أمام ضغوط أمنية واقتصادية وعسكرية متزامنة.
وهذا هو جوهر الخطر.
فالشرق الأوسط لا يحتاج بالضرورة إلى قرار واحد بإشعال حرب شاملة حتى يصل إليها. أحيانا يكفي أن تتراكم الأزمات، وتتوسع الجبهات، وتتداخل الحسابات، ويصبح كل طرف مقتنعا بأن عليه أن يرفع سقف القوة قبل أن يفعل خصمه ذلك.
وفي هذه الحالة تتحول المنطقة من سلسلة أزمات منفصلة إلى منظومة صراع واحدة.
ولهذا فإن خبر الـ40 ألف قنبلة لا ينبغي قراءته باعتباره خبرا عن شحنة أسلحة فقط، ولا ينبغي أيضا تحويله تلقائيا إلى دليل على حرب قادمة في مكان محدد.
الأصح أن نقرأه باعتباره جزءا من صورة أكبر: الولايات المتحدة تواصل ضخ قدرات عسكرية هائلة إلى إسرائيل، وإسرائيل تحتفظ بقدرات جوية وصاروخية كبيرة ، بينما تستمر أزمات غزة ولبنان واليمن وإيران والخليج في إنتاج احتمالات جديدة للتصعيد.
وهنا يجب أن يكون السؤال الذي يشغلنا جميعاً.
هل تتجه المنطقة بالفعل نحو تسوية سياسية تعالج جذور هذه الأزمات، أم أننا أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراعات بالقوة، بحيث تصبح كل جولة عسكرية مجرد تمهيد للجولة التي تليها؟
لأن المشكلة الحقيقية ليست في وجود 40 ألف قنبلة فقط.
المشكلة في المنطقة التي أصبحت تملك من الأزمات ما يكفي لتجد هذه القنابل، إذا استُخدمت ، ساحات عديدة محتملة.
والأخطر من كل ذلك أن استمرار منطق القوة العسكرية وحده قد يجعل أي خطأ في الحسابات أكثر تكلفة من أي وقت مضى.
وفي الشرق الأوسط، عندما تتعدد الجبهات وتتداخل المصالح وتصبح الأسلحة أكثر تدميرا، فإن الخطأ الواحد لا يبقى دائما داخل حدود الدولة التي ارتكبته.
أحياناً… يشعل منطقة بأكملها.



