✍️ يوحنا عزمي
في الساعات الأخيرة ، تحولت العاصمة الأمريكية واشنطن إلى مركز زلزال سياسي وأمني جديد ، لا أحد يستطيع حتى الآن أن يتنبأ بمداه. فحادثة إطلاق النار الغامضة التي وقعت على بُعد مئات الأمتار فقط من البيت الأبيض لم تكن مجرد حادث أمني عابر ، بل كانت الشرارة التي استغلها دونالد ترامب لإطلاق أضخم حملة ترحيل للمهاجرين في تاريخ الولايات المتحدة الحديث ، وإعادة رسم خريطة المواجهة الجيوسياسية مع أفغانستان والصين على حد سواء.
الحدث بدأ بشكل مفاجئ ، عندما أطلق شاب أفغاني النار على جنديين من الحرس الوطني في قلب واشنطن. الرجل لم يكن مجرد مهاجر عادي ، بل أحد رجال المخابرات الأمريكية السابقين في أفغانستان ، وعضو في الوحدة السرية التي أنشأتها وكالة الـCIA أثناء الغزو الأمريكي.
المفارقة أن هذا الرجل، الذي قاتل لصالح الولايات المتحدة ضد طالبان لسنوات طويلة ، هو نفسه الذي أطلق النار على جنودها اليوم ، في مشهد أقرب إلى مشهد رمزي لانقلاب الحلفاء القدامى إلى أعداء جدد.
ترامب ، الذي لطالما كان يبحث عن مبرر قانوني وشعبي لتشديد قبضته على ملف الهجرة ، وجد في هذه الحادثة الفرصة الذهبية. فبعد ساعات من الحادث ، أعلن سلسلة من القرارات التي وصفها بأنها “تاريخية”؛ قرارات تهدف إلى إيقاف الهجرة من دول ما سماه “العالم الثالث”، وإطلاق حملة لترحيل مئات الآلاف ممن لا يحملون الجنسية الأمريكية أو ممن تعتبرهم الإدارة “غير متوافقين مع القيم الغربية”.
هذه الحملة جاءت مصحوبة بتصريحات متشددة ووعود بأن “أمريكا ستعود كما كانت”، وكأن ترامب يعيد استحضار خطابه الانتخابي الأول الذي حمل شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، ولكن هذه المرة بالسلاح لا بالشعار.
لكن خلف ستار الأمن والهجرة ، يبدو أن اللعبة أكبر بكثير. فترامب يستخدم الآن الحادثة كذريعة لإعادة الضغط على حكومة طالبان لاستعادة قاعدة باغرام العسكرية ، القاعدة التي تعتبرها واشنطن حجر زاوية في مراقبة النشاط النووي الصيني.
القاعدة تقع على بعد ساعة واحدة فقط من أحد أكبر مواقع تصنيع الأسلحة النووية في الصين ، ووجود أمريكا هناك يعني امتلاكها عينًا استخباراتية في قلب آسيا الوسطى.
منذ أسابيع فقط ، كان ترامب قد كتب على منصة “تروث سوشيال” منشورًا غامضًا قال فيه : “إذا لم تُعد أفغانستان قاعدة باغرام ، فإن أشياء سيئة ستحدث”. واليوم ، يبدو أن تلك “الأشياء السيئة” بدأت بالفعل.
الصين ، بدورها ، تتابع المشهد بترقب وقلق. فالتقارير الاستخباراتية الأخيرة تشير إلى أن بكين تعمل على توسيع ترسانتها النووية بشكل غير مسبوق ، ببناء أكثر من مائتين وخمسين صومعة نووية جديدة. هذه الخطوة تضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن ، التي ترى في هذا التوسع تهديدًا صريحًا لتفوقها العسكري.
وهنا ، يعود ترامب ليستغل الملف الأفغاني كورقة ضغط ضد الصين ، بعد أن رفضت طالبان سابقاً تسليم القاعدة لأمريكا بدعم من بكين وموسكو وطهران.
في الداخل الأمريكي ، تجاوزت الإدارة الحالية حدود القانون ، إذ تجاهلت حكماً قضائياً يمنع نشر الجيش في الشوارع ، ودفعت بقوات إضافية إلى العاصمة تحت ذريعة “حماية الأمن القومي”.
القرار أثار جدلاً واسعًا بين المعارضين الذين رأوا فيه خطوة تمهيدية لتحويل واشنطن إلى “عاصمة أمنية” تُدار بالعسكرة ، في حين اعتبره مؤيدو ترامب “خطوة ضرورية لإنقاذ البلاد من الفوضى”.
ما يحدث الآن لا يبدو مجرد حملة ترحيل مهاجرين، بل إعادة هندسة كاملة لمفهوم “الأمن القومي الأمريكي” من الداخل. فترامب لا يكتفي بمطاردة المهاجرين ، بل يسعى لتأسيس مرحلة جديدة من السياسة الأمريكية ، تقوم على فكرة “التطهير الأمني” وفرض الهيمنة الخارجية في آن واحد. وكل هذا بدأ برصاصة واحدة خرجت من مسدس عميل سابق، ربما عن قصد وربما بترتيب خفي، لكنها بلا شك فتحت الباب أمام فصل جديد من الصراع بين أمريكا والعالم.
الحادثة التي وقعت في شارع مزدحم بواشنطن ليست مجرد مشهد دموي عابر ، بل هي رسالة سياسية مشحونة بالرموز : من قاتل تحت راية أمريكا يعود ليطلق النار على جنودها ، والرئيس الذي وعد بترحيل الغرباء يبدأ حملته باسم الأمن ، فيما يترقب العالم كيف سيتحول “ملف الهجرة” إلى جسر يعبر به ترامب نحو حرب باردة جديدة مع الصين وأفغانستان والعالم الثالث بأسره.
قد تكون الرصاصة التي اخترقت جسد جندية شابة هي نفسها التي اخترقت جدار الديمقراطية الأمريكية ، لتكشف ما خلفه من طموحات سلطوية ، ومخططات عسكرية ، وأحلام إمبراطورية لم تمت بعد.
وفي النهاية ، تبقى الحقيقة الأهم : أن ما حدث في واشنطن خلال 48 ساعة فقط ، قد يكون الشرارة التي تعيد إشعال سباق القوى العالمي من جديد، وتعيد أمريكا إلى مرحلة أكثر ظلاماً ، حيث تتحول الخوف من “الآخر” إلى أداة للحكم، وحيث تكتب السياسة بالرصاص قبل أن تُكتب بالكلمات.




