مقالات

سقوط «إل مينتشو» يشعل المكسيك : من عملية خاطفة في الغابات إلى حرب شوارع مفتوحة

✍️ يوحنا عزمي

لو كنت تظن أن ما يحدث في أمريكا اللاتينية بعيد عن أعين العالم ، فالمشهد في المكسيك الآن كفيل بتغيير هذه الفكرة تماماً. البلاد تعيش على إيقاع توتر غير مسبوق بعد سقوط أحد أخطر وأقوى زعماء عصابات المخدرات ، وهو الحدث الذي أشعل موجة عنف واسعة جعلت مدنًا كاملة تبدو وكأنها ساحات حرب مفتوحة.

الشوارع في بعض المناطق خالية ، الناس تحتمي داخل منازلها، الطرق تُغلق بالحواجز والنيران ، والمطارات والحدود دخلت في حالة استنفار قصوى ، بينما تتصاعد أعمدة الدخان من أكثر من مدينة في الغرب المكسيكي.

البداية كانت في منطقة جبلية كثيفة الأشجار تُعرف باسم “تابالبا” في ولاية خاليسكو ، وهي منطقة سياحية هادئة تشتهر بالأكواخ الخشبية والطبيعة الخلابة ، لكنها في الوقت ذاته كانت تمثل ملاذًا سرياً لواحد من أخطر الرجال المطلوبين في العالم : نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس ، المعروف بلقبه الشهير “إل مينتشو”.

الرجل لم يكن مجرد تاجر مخدرات ، بل كان قائد تنظيم إجرامي بالغ التنظيم والقوة يُدعى كارتيل خاليسكو الجيل الجديد ، وهو أحد أكثر الكيانات الإجرامية عنفاً ونفوذاً في المكسيك.

في عملية ليلية خاطفة ، تحركت وحدات خاصة من الجيش المكسيكي والحرس الوطني مدعومة بغطاء جوي، وبحسب ما تردد ، بمعلومات استخباراتية أمريكية ، نحو الموقع الذي كان يُعتقد أن الزعيم يختبئ فيه. الاشتباك كان عنيفاً ومباشراً ، تبادل كثيف لإطلاق النار داخل منطقة وعرة ، وانتهى بمقتل عدد من عناصر الحراسة وإصابة إل مينتشو إصابة بالغة توفي على إثرها أثناء نقله لتلقي العلاج. لحظة الإعلان الرسمي عن مقتله كانت الشرارة التي أشعلت ما تلاها من أحداث.

عند اقتحام المخبأ ، عثرت القوات على ترسانة سلاح ضخمة تفوق في نوعيتها ما تمتلكه بعض الجيوش النظامية : مركبات مصفحة، قاذفات صواريخ مضادة للطائرات ، متفجرات شديدة الانفجار، أسلحة أوتوماتيكية متطورة ، وتجهيزات قتالية تشير إلى أن التنظيم لم يكن مجرد شبكة تهريب ، بل قوة عسكرية شبه نظامية قادرة على خوض مواجهات مفتوحة. الصورة التي تكشفت أكدت أن الدولة كانت تواجه جيشاً موازياً يعمل خارج القانون، لا مجموعة من الخارجين عن النظام فحسب.

رد الفعل لم يتأخر. خلال دقائق من انتشار نبأ مقتل الزعيم، بدأت مقاطع الفيديو تتدفق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. في مدينة زابوبان أُحرقت حافلات في الميادين الرئيسية لإغلاق الطرق، وفي بويرتو فالارتا السياحية ارتفعت سحب الدخان الأسود فوق الأحياء الحيوية، فيما قامت مجموعات مسلحة بإجبار السائقين على النزول من سياراتهم وإشعال النيران فيها لشل حركة الجيش ومنع تقدمه. المشهد بدا وكأنه رسالة واضحة : التنظيم ما زال حياً وقادراً على الرد ، حتى بعد سقوط رأسه.

سلطات ولاية خاليسكو أعلنت حالة طوارئ قصوى ، وجرى تفعيل ما يُعرف بالرمز الأحمر، فتوقفت حركة النقل العام، وأُلغيت فعاليات سياحية ، ودُعي السكان إلى البقاء في منازلهم.

حتى مطار جوادالاخارا الدولي ، الذي يُعد من أهم المطارات في البلاد، دخل دائرة القلق ، مع انتشار شائعات عن نية تنفيذ هجمات انتقامية ، قبل أن تؤكد تقارير وقوع محاولات لعرقلة العمل فيه. في الأثناء ، أصدرت الولايات المتحدة تحذيرات لرعاياها بضرورة توخي الحذر وتجنب التحرك في المناطق المتوترة.

لفهم حجم الانفجار ، لا بد من إدراك طبيعة الرجل الذي سقط. إل مينتشو بنى شبكة تمتد إلى عشرات الدول ، وسيطر تنظيمه على مساحات واسعة من الأراضي المكسيكية ، ودخل في صراع مباشر مع كارتيل سينالوا ، أحد أعرق وأكبر الكيانات الإجرامية في البلاد.

تحت قيادته ، تحول تنظيم خاليسكو إلى نموذج للعنف المنظم عالي التقنية ، مستخدماً طائرات مسيرة مفخخة ، وألغاماً أرضية ، ومدرعات معدلة ، إضافة إلى تنويع مصادر الدخل عبر أنشطة غير تقليدية شملت التعدين غير المشروع وقطع الأخشاب ، وحتى قطاعات زراعية وتجارية تُستخدم كغطاء لغسل الأموال.

لم يكن نفوذ التنظيم محصورًا في الأطراف البعيدة ، بل وصل إلى قلب العاصمة ، حيث سبق أن تورط في هجمات جريئة ضد مسؤولين أمنيين رفيعي المستوى ، في عمليات وُصفت حينها بأنها أقرب إلى مشاهد أفلام العصابات ، لكنها كانت واقعاً دموياً على الأرض. لذلك فإن سقوط زعيم بهذا الحجم لا يُعد حدثاً أمنياً عابراً، بل لحظة مفصلية في توازنات معقدة بين الدولة والتنظيمات المسلحة.

توقيت العملية يفتح باباً واسعاً للتأويل. الضغوط الأمريكية المتزايدة على الحكومة المكسيكية في ملف مكافحة الكارتيلات كانت حاضرة بقوة خلال السنوات الأخيرة ، خاصة في ظل خطاب سياسي أمريكي أكثر تشددًا تجاه هذه التنظيمات ، وطرح أفكار تتعلق باعتبارها تهديدًا عابرًا للحدود. من هنا ، يرى مراقبون أن التحرك الحاسم ضد إل مينتشو يحمل أيضاً رسالة سياسية موجهة إلى واشنطن ، مفادها أن مكسيكو سيتي قادرة على التعامل مع أخطر المطلوبين داخل أراضيها دون الحاجة إلى تدخل خارجي مباشر. لكن التاريخ يُظهر أن إسقاط الرأس لا يعني نهاية الجسد.

كثيراً ما يؤدي مقتل الزعيم إلى تفكك التنظيم إلى أجنحة متصارعة ، تتنافس على النفوذ والموارد، ما يُنتج موجة عنف أشد تعقيداً وأقل قابلية للسيطرة. هذا السيناريو يلوح في الأفق الآن ، مع مخاوف من تحول الصراع إلى سلسلة مواجهات بين فصائل منشقة ، أو إلى معارك مفتوحة مع كارتيلات منافسة تسعى لملء الفراغ.

في هذه اللحظة ، يعيش ملايين السكان في غرب المكسيك على وقع أصوات صفارات الإنذار وإطلاق النار المتقطع ، مترقبين ما إذا كانت الدولة ستنجح في فرض سيطرتها سريعاً ، أم أن البلاد على أعتاب مرحلة جديدة من الفوضى الدموية. الحدث الذي بدأ بعملية نوعية في غابة معزولة، تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على كسر دائرة العنف دون أن تنزلق إلى فوضى أوسع. الأيام المقبلة وحدها ستكشف إن كان ما حدث انتصاراً حاسماً أم بداية فصل أكثر اضطراباً في تاريخ الصراع الطويل بين الدولة والكارتيلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!