كيف أعادت باكستان تشكيل حسابات المواجهة بين واشنطن وطهران

✍️ يوحنا عزمي
التحركات العسكرية الباكستانية داخل الأراضي السعودية لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد إجراء روتيني في إطار تعاون دفاعي تقليدي ، بل ينبغي فهمها ضمن شبكة توازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع حسابات الردع مع حسابات الوساطة، وتتداخل اعتبارات الأمن الخليجي مع مسارات التفاوض بين واشنطن وطهران. فوجود مقاتلات باكستانية وأنظمة دفاع جوي وقوات على الأرض السعودية يعكس انتقال العلاقة من مستوى التنسيق العسكري إلى مستوى إعادة تشكيل معادلة الردع ذاتها في الخليج.
السياق الذي جرت فيه هذه التحركات يكشف أن المسألة لا تتعلق فقط بحماية السعودية من تهديد مباشر ، بل ببناء طبقة ردع إضافية تعقد أي حسابات إيرانية محتملة للرد الانتقامي في حال تعرضت طهران لضربة أمريكية. إيران ، وفق عقيدتها في إدارة الصراعات غير المتكافئة ، لا تميل إلى الرد المباشر على القوة الضاربة ، بل تفضل استنزاف حلفائها الإقليميين. وفي هذا الإطار، يمثل الخليج العربي الهدف الأكثر حساسية في نظر صانع القرار الإيراني ، قبل أي ساحة أخرى.
إدخال باكستان في هذه المعادلة يغير قواعد اللعبة ؛ فإسلام آباد ليست مجرد دولة صديقة للرياض ، بل دولة نووية، وجارة لإيران، وفي الوقت ذاته طرف منخرط في رعاية مسارات تفاوضية بين طهران وواشنطن. هذا التداخل يمنح الخطوة السعودية بعدًا سياسياً بالغ الذكاء ؛ إذ تنقل باكستان من موقع الوسيط المحتمل إلى موقع الطرف الذي قد يجد نفسه معنياً مباشرة بأي تصعيد إيراني ، وهو ما يرفع كلفة القرار الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة.
من زاوية عسكرية بحتة ، تنويع مصادر التسليح داخل شبكة الدفاع الجوي السعودية عبر إدماج منظومات ذات خلفية صينية – باكستانية إلى جانب المنظومات الغربية ، يخلق بيئة دفاعية أكثر مرونة وتعقيداً أمام أي محاولة اختراق. لكنه في الوقت ذاته يضع بكين وموسكو في معادلة حساسة ؛ إذ إن أي مواجهة مباشرة قد تتحول إلى ساحة اختبار عملياتي لأسلحة مصدرها قوى كبرى لا ترغب في كشف قدراتها الحقيقية في صراع مفتوح.
هذا المشهد يفسر جانباً من التردد الأمريكي في الذهاب إلى ضربة عسكرية واسعة ضد إيران في هذه اللحظة. فمثل هذه الضربة لن تبقى محصورة بين واشنطن وطهران ، بل ستفتح مسرح عمليات فعلي في الخليج والشرق الأوسط، حيث تتداخل مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وباكستان من جهة ، مع إيران وروسيا والصين من جهة أخرى. اتساع دائرة الأطراف المنخرطة يرفع احتمالات الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع الطيف ، تتواجد فيه عدة قوى نووية ، وهو ما يجعل منسوب المخاطر الاستراتيجية أعلى بكثير من أي مكسب عسكري سريع.
دول الخليج تدرك أن إيران ما زالت تمتلك أدوات ردع فعالة، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو عبر شبكات نفوذها الإقليمي. ولذلك فإنها تبدو حريصة على تجنب أن تتحول أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى. هذا الحرص يتقاطع مع إدراك أمريكي بأن الضربة العسكرية، في ظل هذا التشابك، قد تنتج فوضى يصعب احتواؤها، خصوصًا إذا دفعت الأطراف نحو خيارات قصوى لتفادي الهزيمة أو الإذلال الاستراتيجي.
في خلفية هذا كله ، يبرز عامل آخر أكثر خطورة ، وهو أن تعدد الأطراف وتضارب المصالح قد يخلق حوافز لدى بعض الفاعلين للدفع نحو التصعيد ، باعتباره فرصة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وفق رؤيتهم الخاصة. وفي مثل هذه البيئات المشحونة، يصبح استخدام أدوات قتال أكثر تدميرًا احتمالًا مطروحاً في حسابات بعض الأطراف إذا رأت أن ذلك هو السبيل الوحيد لحرمان الخصم من القدرة على الرد.
المحصلة أن ما يجري لا يعكس استعداداً لحرب وشيكة بقدر ما يعكس سباقاً محموماً لبناء طبقات ردع متداخلة تمنع الحرب، لكن علي نحو متناقض عبر رفع كلفتها إلى حد غير مسبوق.
غير أن التاريخ يعلمنا أن البيئات التي تتراكم فيها عناصر الردع الكثيف قد تتحول، في لحظة خطأ تقدير واحدة، إلى بيئات انفجار واسع لا يستطيع أحد السيطرة على تداعياته. ولذلك تبدو الحاجة إلى مخرج سياسي تفاوضي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى ، لأن ثمن الانزلاق إلى المواجهة في مثل هذا المشهد قد يتجاوز قدرة جميع الأطراف على الاحتمال.



