كيف تُدار معركة الرسائل بين واشنطن وطهران على أرض الخليج

✍️ يوحنا عزمي
تُظهر القراءة المتأنية لمسار التصريحات والتحركات المتزامنة في الملف الأمريكي – الإيراني نمطًا معقداً من الرسائل المتضاربة التي تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية إلى ما يشبه إدارة مسرح عمليات نفسي – سياسي واسع النطاق ، تتداخل فيه الإشارات العسكرية مع الخطاب الإعلامي، وتتحول فيه التصريحات الرسمية إلى أدوات ضغط وإرباك لا تقل تأثيراً عن التحركات الميدانية.
فالتصعيد اللفظي الذي يصدر عن ترامب لا يمكن فصله عن البيئة السياسية الداخلية التي تحيط به ، ولا عن حسابات الردع التي تحاول الولايات المتحدة إعادة ضبطها في مواجهة إيران بعد تعثر مسارات أخرى في السياسة الخارجية.
ضمن هذا السياق ، يبدو لافتاً أن نبرة التهديد القصوى تزامنت مع تسريبات عن اجتماعات أمن قومي مغلقة، ثم أعقبها تراجع مفاجئ عبر منصة Truth Social بذريعة طلب خليجي لإفساح المجال أمام الدبلوماسية. هذا التحول الحاد لا يُقرأ بوصفه تناقضاً بقدر ما يُفهم كإعادة توزيع للأدوار في لعبة الرسائل : نقل العبء الرمزي للقرار من واشنطن إلى عواصم خليجية ، بما يخلق انطباعاً لدى طهران بأن تلك العواصم باتت جزءًا من معادلة القرار، سواء أرادت ذلك أم لم تُرد. وعندما تنفي مصادر خليجية هذه الرواية عبر تقارير صحفية في The Wall Street Journal، فإن النفي ذاته يصبح عنصراً إضافياً في مشهد الضباب ، لا عاملًا للحسم.
يتوازى ذلك مع تحركات إسرائيلية مريبة على المستوى السياسي والقضائي، حيث جاء تأجيل إجراءات قضائية تخص نتنياهو بدواعٍ أمنية في توقيت حساس ، بما يعزز الانطباع بوجود حدث كبير قيد الإعداد. هنا يتداخل الداخلي بالإقليمي ؛ فالحسابات الشخصية والسياسية قد تتقاطع مع تقديرات الأمن القومي ، وتُنتج سلوكاً أكثر اندفاعاً نحو التصعيد الخارجي كوسيلة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي.
الأكثر إثارة للانتباه هو تزامن هذه الرسائل السياسية مع تقارير إعلامية عن نشاطات سرية في العمق العراقي نشرتها The New York Times، تتحدث عن مواقع يُشتبه في استخدامها لعمليات غير معلنة. وبغض النظر عن دقة هذه التقارير، فإن ظهورها في هذا التوقيت يخدم وظيفة استراتيجية : ترسيخ فرضية وجود مسرح عمليات خفي بين العراق والخليج وإيران ، يمكن عبره تنفيذ أفعال يصعب نسبها بشكل قاطع إلى طرف بعينه.
وعندما تعلن كل من السعودية والإمارات اعتراض مسيرات قادمة من اتجاه العراق ، تتعزز صورة المشهد الرمادي الذي تختلط فيه الجغرافيا بالرسائل الاستخبارية. فالعراق هنا لا يظهر كساحة مواجهة مباشرة ، بل كمساحة وسيطة قابلة لتوظيف “الإنكار المعقول”، حيث يمكن لأي طرف أن يتحرك دون أن يترك بصمته الواضحة، بينما تتبادل الأطراف الاتهامات في فضاء إعلامي ضبابي.
في المقابل ، ترفع طهران منسوب الجهوزية النفسية والعسكرية عبر منصات قريبة من مؤسساتها ، مثل Nour News، وتُصدر خطاباً قائماً على نفي الخطوط الحمراء والاستعداد لرد واسع، بالتوازي مع رسائل ردع غير تقليدية تتعلق بالبنية التحتية الرقمية والممرات البحرية. هذا النمط من الخطاب لا يستهدف الخصم فقط، بل يوجه أيضاً إلى الداخل الإيراني لإظهار التماسك والاستعداد، وإلى الإقليم لتأكيد أن أي مواجهة لن تبقى محصورة في نطاق ضيق.
المحصلة أن ما يجري لا يبدو تحضيراً مباشراً لحرب بقدر ما هو إعادة هندسة لبيئة الصراع بحيث تُدفع أطراف إقليمية إلى دائرة الاشتباه المتبادل ، ويُعاد توزيع كلفة المواجهة المحتملة على أكثر من لاعب. إنها إدارة توتر محسوبة ، تُستخدم فيها التسريبات الإعلامية، والتصريحات المتناقضة، والتحركات الغامضة، لصناعة واقع إدراكي يجعل الجميع في حالة ترقب وقلق دائمين ، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
بهذا المعنى ، لا يكون الهدف الفوري إشعال الحرب ، بل خلق مناخ يجعل اندلاعها — إن حدث — نتيجة تبدو وكأنها حصيلة تفاعلات إقليمية معقدة ، لا قراراً مباشراً من قوة بعينها. وفي هذا المناخ الضبابي ، يصبح أصعب ما في المشهد ليس توقع ما سيحدث، بل تمييز ما إذا كان ما يحدث فعلًا هو مقدمة لحرب ، أم مجرد فصل جديد من حرب الإدراك والرسائل التي تسبقها.



