حين يتحول إسقاط النظام إلى شرارة فوضى إقليمية شاملة

✍️ يوحنا عزمي
إذا كان الرهان الذي يعقده الثنائي الأكثر اندفاعاً في المشهد الدولي ، دونالد ترامب وشريكه نتنياهو ، يقوم على أن تصعيد الحرب ضد إيران بهذا المستوى غير المسبوق من الشراسة ، والاعتماد على استراتيجية تفريغ الدولة من رؤوسها القيادية عبر الاغتيالات ، يمكن أن يقود في النهاية إلى إسقاط النظام الإيراني ، فإن هذا التصور – رغم ما قد يبدو فيه من إغراء سياسي واستراتيجي – ينطوي على قدر هائل من التبسيط المخل لطبيعة الدول المركبة، ولتعقيدات الانفجار الداخلي حين تُكسر توازنات القوة دفعة واحدة.
صحيح أن سقوط نظام بحجم النظام الإيراني قد يُسوق باعتباره انتصاراً تاريخياً لمحور إقليمي ودولي يرى في طهران مصدر تهديد مزمن ، لكن القراءة الأكثر عمقاً لا تقف عند لحظة السقوط ، بل تبدأ منها. فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في إسقاط النظام بحد ذاته ، بل في الفراغ الذي سيخلفه ، وفي القوى التي ستندفع لملئه ، وفي طبيعة الصراع الذي سيتفجر داخل هذا الفراغ.
التجربة القريبة لا تزال حاضرة بكل قسوتها. ما جرى بعد عام 2011، فيما عُرف إعلامياً بـ”الربيع العربي”، والذي ارتبط سياسياً بإدارة باراك أوباما ، لم يكن مجرد موجة احتجاجات انتهت بتغيير بعض الأنظمة ، بل كان زلزالًا بنيوياً أطلق قوى كامنة من الفوضى والعنف لم تكن مُدركة بالكامل حتى من الذين ساهموا في إطلاقها. سقطت أنظمة ، نعم ، لكن ما تلا ذلك لم يكن ديمقراطية مستقرة ، بل بيئات مفتوحة لنمو تنظيمات متطرفة، وتفكك مؤسسات الدولة، وتحول الجغرافيا إلى ساحات صراع بالوكالة.
هذا النموذج ، بكل ما حمله من دروس ، يجعل من التفكير في إسقاط نظام بحجم وتعقيد إيران أمراً محفوفاً بمخاطر مضاعفة. فإيران ليست دولة هامشية أو منعزلة ، بل مركز ثقل إقليمي ، تتشابك داخله الهويات القومية والدينية، وتتشعب خارجه شبكات النفوذ الممتدة عبر أكثر من ساحة. أي انهيار مفاجئ في هذا الكيان لن يكون حدثاً داخلياً ، بل زلزالًا إقليمياً تتردد ارتداداته في كل اتجاه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً في حال حدوث هذا السقوط ليس انتقالًا سلساً نحو نظام بديل ، بل انفجاراً متعدد المستويات : صراعات داخلية بين مكونات النظام والمعارضة ، صدامات عرقية ومذهبية، تمدد جماعات مسلحة ، وتدخلات خارجية متنافسة. ومع كل ذلك، ستتحول إيران إلى ساحة مفتوحة ، لا يمكن بسهولة احتواء تداعياتها ، لا أمنياً ولا سياسياً.
وهنا تبرز المقارنة الحاسمة مع ما حدث في العراق بعد 2003 ، حين أُطيح بنظام صدام حسين عبر تدخل عسكري مباشر. لم يكن إسقاط النظام هو نهاية الأزمة ، بل بدايتها الحقيقية. تفكك الدولة، انهارت المؤسسات ، وتصاعدت موجات العنف والإرهاب ، ووجدت التنظيمات المتطرفة بيئة مثالية للنمو والتمدد. هذا النموذج لا يزال حاضراً، لا بوصفه ذكرى، بل كتحذير استراتيجي مما يمكن أن تؤول إليه الأمور حين يتم فرض التغيير من الخارج بالقوة.
المشكلة إذن ليست في فكرة التغيير السياسي من حيث المبدأ، بل في الكيفية التي يتم بها هذا التغيير، وفي السياق الذي يحدث فيه. فالتغيير الذي يُفرض عبر التدخل الخارجي لا يُنتج بالضرورة نظاماً أكثر استقراراً أو شرعية ، بل غالباً ما يفتح الباب أمام قوى هشة أو تابعة ، ويترك المجتمع في حالة صراع مفتوح على السلطة والهوية.
في حالة إيران ، سيكون المشهد أكثر تعقيداً وخطورة. فالتداعيات لن تتوقف عند حدودها ، بل ستمتد إلى دول الجوار ، خصوصاً في الخليج ، حيث التداخل الجغرافي والاقتصادي والأمني. أي انفجار داخلي في إيران قد يتحول بسرعة إلى تهديد مباشر لاستقرار هذه الدول ، سواء عبر اضطرابات أمنية ، أو عبر صدمات اقتصادية أو حتى عبر انخراطها في صراعات أوسع لم تكن طرفاً مباشراً فيها.
من هنا ، يصبح من الضروري إعادة النظر في منطق “الحسم بالقوة” الذي يبدو مغرياً في لحظته ، لكنه قد يقود إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والبعيد. فالعنف ، بطبيعته ، لا يُنتج إلا مزيداً من العنف ، والفوضى لا تلد إلا فوضى أكبر ، وهذه ليست شعارات ، بل حقائق أثبتتها تجارب قريبة ومكلفة.
أما الحديث عن الديمقراطية، فلا خلاف على قيمتها كغاية إنسانية وسياسية ، لكن الإشكالية تكمن في الوسيلة. فالديمقراطية التي تنشأ من داخل المجتمعات ، عبر مسارها الطبيعي وتوازناتها الخاصة، تختلف جذرياً عن تلك التي تُفرض من الخارج تحت ضغط القوة.
الأولى تُبنى على شرعية داخلية ، حتى وإن تعثرت ، أما الثانية فغالباً ما تُولد مشوهة ، محاطة بالشكوك ، وقابلة للانهيار عند أول اختبار.
في النهاية، ما يُطرح اليوم ليس مجرد صراع على برنامج نووي أو توازنات عسكرية ، بل إعادة تشكيل محتملة لخريطة المنطقة بأكملها. وإذا كان البعض يراهن على أن إسقاط نظام معين سيحقق الاستقرار، فإن التاريخ القريب يقول إن الثمن قد يكون أعلى بكثير مما يتخيلون، وأن النار التي تُشعل في بقعة، نادرًا ما تبقى محصورة داخل حدودها.



