فضيحة القرن .. مليارات أمريكية لتمويل مختبرات بيولوجية سرية حول العالم

✍️ يوحنا عزمي
في عالم السياسة الدولية ، هناك حروب تُخاض بالصواريخ والدبابات ، وهناك حروب أخطر كثيرًا لا تُرى بالعين المجردة .. حروب تُدار داخل معامل مغلقة تحت الأرض ، وتُصنع فيها كائنات مجهرية قد تملك القدرة على تغيير مصير العالم بالكامل.
القصة التي تتكشف اليوم تفتح باباً واسعاً أمام أحد أكثر الملفات غموضاً وإثارة للرعب في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، لأننا هنا لا نتحدث عن مجرد تمويل أبحاث علمية عادية أو تعاون دولي في المجال الطبي، بل عن شبكة معقدة تبدأ من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، تمر عبر وزارة الدفاع الأمريكية، ثم تنتقل إلى شركات خاصة مرتبطة بمراكز نفوذ سياسية واقتصادية ، لتنتهي داخل مختبرات بيولوجية سرية موزعة بعناية في مناطق جيوسياسية شديدة الحساسية، وعلى رأسها أوكرانيا.
الفكرة ببساطة أن الحكومات الكبرى أصبحت تتقن لعبة قديمة تُعرف سياسياً باسم “الإنكار المعقول”، بمعنى أن الدولة لا تقوم بالفعل بنفسها بشكل مباشر، لكنها توكل المهمة لشركات خاصة تعمل كواجهة تنفيذية ، بحيث يصبح من السهل التنصل من المسؤولية لاحقاً إذا انكشف الأمر. وهذا تحديدًا ما تكشفه الوثائق الأمريكية التي خرجت مؤخراً للعلن، والتي أظهرت دور شركة أمريكية عملاقة مثل Black & Veatch، التي حصلت على عقود بمئات الملايين من الدولارات من وكالة خفض التهديدات الدفاعية التابعة للبنتاجون، بهدف إنشاء وتجهيز عشرات المختبرات البيولوجية داخل الأراضي الأوكرانية ، بعضها بمستويات أمان عالية تسمح بالتعامل مع مسببات أمراض قاتلة مثل الجمرة الخبيثة والطاعون.
لكن الأخطر لم يكن في بناء المختبرات، بل فيمن كان يدير العمل العلمي داخلها. هنا يظهر اسم شركة Metabiota، وهي شركة تكنولوجيا حيوية مقرها سان فرانسيسكو ، كانت مهمتها التعامل المباشر مع الفيروسات وجمع العينات البيولوجية وتتبع مسببات الأمراض داخل أوكرانيا، بما في ذلك مناطق قريبة من الحدود الروسية.
وعندما نبدأ في تتبع خيوط التمويل، تصبح الصورة أكثر تعقيدًا. فالإيميلات المسربة التي تأكدت صحتها لاحقًا عبر وسائل إعلام أمريكية كبرى كشفت أن صندوق Rosemont Seneca المرتبط بهانتر بايدن، نجل الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، استثمر ملايين الدولارات في هذه الشركة عام 2014، بل وكانت هناك محاولات لربط نشاطها بشركة الغاز الأوكرانية Burisma، التي كان هانتر يعمل معها بالفعل. وهنا تتحول القضية من مجرد نشاط علمي إلى شبكة مصالح ضخمة تجمع بين التمويل الحكومي الأمريكي، الشركات الخاصة، والنفوذ السياسي المرتبط بعائلة الرئيس نفسه.
لكن الملف الأخطر على الإطلاق هو ما يُعرف علميًا باسم أبحاث “اكتساب الوظيفة”، وهي أبحاث تقوم على تعديل الفيروسات وراثياً داخل المختبرات لمنحها خصائص جديدة لم تكن موجودة في الطبيعة، مثل زيادة سرعة الانتشار، رفع معدل الفتك ، أو تحسين قدرتها على تجاوز المناعة البشرية. المدافعون عن هذه الأبحاث يقولون إن الهدف هو استباق الكوارث الطبيعية وتطوير لقاحات مسبقة، لكن السؤال المرعب هنا: ماذا يحدث إذا خرج هذا الكائن المعدل من المختبر نتيجة خطأ بشري أو تسرب أو استهداف عسكري؟
وقتها لا نتحدث عن حادثة معملية … بل عن كارثة عالمية لا يمكن السيطرة عليها.
اللافت أن هذا الجدل الداخلي الأمريكي استمر سنوات طويلة، حتى جاء دونالد ترامب في مايو 2025 ووقع أمراً تنفيذياً يمنع استخدام أي أموال أمريكية في تمويل أبحاث اكتساب الوظيفة خارج الولايات المتحدة ، خاصة في الدول المصنفة باعتبارها دولًا مثيرة للقلق. القرار في ظاهره إجراء تنظيمي، لكنه في جوهره كان اعترافًا ضمنياً بأن الإدارات السابقة كانت تمول أبحاثاً شديدة الخطورة ، وأن واشنطن نفسها كانت تلعب بالنار طوال السنوات الماضية.
الأرقام التي ظهرت لاحقاً زادت المشهد تعقيدًا. فبينما تتحدث الوثائق الأمريكية الرسمية عن نحو 120 مختبراً بيولوجياً تابعاً لبرنامج الحد من التهديدات البيولوجية ، تؤكد تقارير روسية وصينية أن الرقم الحقيقي يصل إلى 336 مختبرًا منتشرًا في أكثر من 30 دولة حول العالم. والأمر اللافت أن هذه المختبرات لا توجد داخل فرنسا أو ألمانيا أو كندا مثلًا، بل تتركز في دول نامية، أو دول تعاني صراعات ، أو دول ذات أنظمة رقابية ضعيفة ، حيث يمكن إجراء تجارب معقدة بعيدًا عن الرقابة القانونية والإعلامية الصارمة الموجودة داخل الغرب نفسه.
وعندما تنظر إلى خريطة الانتشار الجغرافي، ستكتشف أن الأمر لا يبدو عشوائياً إطلاقاً. هناك شبكة واسعة تحيط بروسيا عبر مختبرات في أوكرانيا وجورجيا وكازاخستان وأرمينيا وأذربيجان. وهناك امتداد آخر في أفريقيا داخل كينيا وأوغندا وتنزانيا وجنوب أفريقيا، بحجة دراسة الفيروسات الفتاكة في بيئاتها الطبيعية. وفي آسيا تنتشر مختبرات أخرى في الفلبين وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند والهند وباكستان ، تحت عنوان مراقبة الأمراض المعدية وتتبع الفيروسات المحمولة عبر الحيوانات.
لكن ما يثير القلق الحقيقي ليس مجرد وجود هذه المختبرات، بل طبيعة الأبحاث نفسها. فبحسب الوثائق التي كُشف عنها مؤخراً ، كانت بعض هذه المنشآت تتعامل مع مسببات أمراض شديدة الخطورة مثل الإيبولا والطاعون وحمى ماربورغ والجمرة الخبيثة، بل إن بعض الأبحاث كانت تتضمن تعديلات جينية على الفيروسات نفسها، في غياب رقابة دولية حقيقية، وهو ما أعاد إلى الواجهة الاتهامات القديمة التي وجهتها روسيا منذ بداية الحرب الأوكرانية، عندما تحدثت عن نشاط بيولوجي أمريكي خطير داخل الأراضي الأوكرانية، وهي اتهامات رفضتها واشنطن حينها ووصفتها بالدعاية الروسية.
اليوم، وبعد ظهور هذه الوثائق، يبدو أن الرواية الروسية لم تكن مجرد بروباجندا سياسية كما قيل سابقًا، بل كانت تستند إلى معلومات حقيقية حاول الغرب دفنها لسنوات. وربما لهذا السبب يبدو الموقف الأوروبي صامتًا بشكل لافت ، لأن أي اعتراف بهذه الأنشطة يعني ببساطة أن حلفاء واشنطن الأوروبيين كانوا إما ممولين أو متسترين على مشاريع كان يمكن أن تتسبب في كارثة بيولوجية عالمية على حدودهم المباشرة.
الحقيقة التي تفرض نفسها الآن أن العالم ربما كان ينظر طوال السنوات الماضية إلى مفهوم الحرب بطريقة تقليدية قديمة، بينما كانت القوى الكبرى تطور نوعًا جديدًا من الصراع أكثر خطورة ، صراع لا يحتاج إلى جيوش ولا حاملات طائرات، بل إلى فيروسات معدلة وراثياً يمكن أن تتحول إلى سلاح جيوسياسي يحقق ما لا تحققه الحروب العسكرية التقليدية.
في النهاية ، يبدو أننا أمام لحظة فارقة تكشف أن الصراع الدولي لم يعد يُدار فقط فوق الأرض، بل أصبح جزء كبير منه يُصنع في أقبية سرية، داخل أنابيب اختبار ، وبين أيدي علماء يعملون لصالح شبكات مصالح عابرة للحدود. وربما يكون أخطر ما في كل هذه القصة أننا لا نعرف حتى الآن كم من الأسرار ما زال مدفوناً ، وكم من الملفات لم يُفتح بعد … لأن ما خرج إلى العلن حتى الآن قد يكون مجرد بداية فقط.



