الصفقة الكبرى .. هل أصبح البرنامج النووي السعودي ثمن التحالف العسكري مع أمريكا؟

✍️ يوحنا عزمي
ما يحدث بين الولايات المتحدة والسعودية لا يبدو مجرد تقارب سياسي عابر أو تنسيق عسكري فرضته ظروف الحرب ، بل قد يكون جزءًا من صفقة استراتيجية كبرى تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط لعقود قادمة. فخلف الصمت السعودي تجاه تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي اعتبرها كثيرون مهينة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، وخلف التحركات العسكرية الأخيرة والتقارب المتزايد بين الرياض وواشنطن ، يبرز ملف قد يكون الأكثر حساسية وخطورة في المنطقة بأكملها ، وهو البرنامج النووي السعودي.
وفقاً لما نشرته شبكة CNN استناداً إلى مصادر ووثائق، فإن الإدارة الأمريكية وافقت مبدئياً على منح السعودية حق تخصيب اليورانيوم داخل أراضيها، مع مرونة غير معتادة في بعض الضمانات التي ترتبط عادة بمنع الانتشار النووي. وتشير المعلومات إلى أن المفاوضات الفنية انتهت منذ أكتوبر 2025، بينما بقيت مسودة الاتفاق في انتظار القرار السياسي النهائي من الرئيس ترامب.
الرواية الرسمية تربط تأجيل الإعلان عن الاتفاق بالحرب مع إيران، التي ترفع فيها واشنطن شعار منع طهران من امتلاك السلاح النووي، إلى جانب المخاوف من اعتراض الكونجرس الأمريكي، حيث يواجه الاتفاق رفضاً من دوائر داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن القراءة السياسية تشير إلى احتمال وجود حسابات أخرى غير معلنة ، أبرزها رغبة واشنطن في ضمان انخراط السعودية، وربما لاحقاً سوريا، بصورة أكثر مباشرة في ترتيبات المواجهة الإقليمية مع إيران وحلفائها.
جوهر القضية لا يتعلق ببناء مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء، وإنما بحق المملكة في تخصيب اليورانيوم محلياً. وهذه نقطة شديدة الحساسية ، لأن التخصيب يمثل الحلقة التي يمكن استخدامها في إنتاج الوقود النووي السلمي، لكنها في الوقت نفسه تمثل البوابة التقنية التي يمكن، إذا تغير القرار السياسي مستقبلاً، أن تقود إلى إنتاج سلاح نووي. ولهذا السبب كان ما يُعرف بـ”المعيار الذهبي” في الاتفاقات الأمريكية يشترط على الدول الامتناع عن التخصيب المحلي، والاكتفاء باستيراد الوقود النووي تحت رقابة دولية صارمة ، كما حدث في الاتفاق النووي مع الإمارات عام 2009.
المخاوف الأمريكية ليست جديدة، خاصة بعد تصريحات سابقة لولي العهد السعودي أكد فيها أن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدي إذا امتلكت إيران قنبلة نووية ، بل ستسعى إلى امتلاك القدرة نفسها حفاظاً على توازن الردع في المنطقة. ومن هنا ينظر كثير من الخبراء إلى أي تنازل أمريكي في ملف التخصيب باعتباره سابقة قد تغير قواعد منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط.
إذا ربطنا هذه التطورات بما شهدته الأشهر الأخيرة، تتضح صورة أكثر تعقيداً. فقد بدا الموقف السعودي في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أكثر تحفظاً مما توقعه كثيرون، حتى بعد التصريحات الحادة التي صدرت عن ترامب بحق القيادة السعودية. حينها اعتقد مراقبون أن العلاقات دخلت مرحلة توتر، وأن الرياض لن تمنح واشنطن دعماً عسكرياً أو سياسياً واسعاً. لكن المشهد تغير تدريجياً ، وظهرت عمليات عسكرية سعودية أكثر حدة في اليمن ، وسط دعم أمريكي واضح، ما أثار تساؤلات حول طبيعة التفاهمات التي جرت بعيداً عن الأضواء.
الإجابة المحتملة تكمن في المصالح الاستراتيجية. فمنذ سنوات أعلنت السعودية اكتشاف احتياطيات كبيرة من خام اليورانيوم ، وبدأت تنظر إلى هذا المورد باعتباره أحد أعمدة اقتصاد ما بعد النفط. فالمملكة لا تريد أن تكون مجرد مستورد للوقود النووي، بل تسعى إلى استخراج الخام وتخصيبه محلياً، وربما مستقبلاً الدخول إلى سوق تصدير الوقود النووي ، بما يمنحها ثقلاً اقتصادياً وسياسياً جديداً.
ومن هذا المنطلق ، يمكن فهم الموقف السعودي باعتباره محاولة لاستثمار اللحظة السياسية. فواشنطن كانت بحاجة إلى دور سعودي أكبر في مواجهة إيران، وتأمين الغطاء الإقليمي لتحركاتها العسكرية، والضغط على حلفاء طهران، وفي مقدمتهم الحوثيون في اليمن. وفي المقابل، ربما رأت الرياض أن هذه هي الفرصة المناسبة لانتزاع التنازل الذي طال انتظاره ، وهو الحصول على حق التخصيب داخل أراضيها ، مع تقليل القيود والرقابة الدولية قدر الإمكان.
لكن حتى لو صح هذا السيناريو، فإن واشنطن لم تكن تتحرك بدافع المجاملة، بل بدافع حسابات المصالح. فهي تدرك أن رفض المطالب السعودية قد يدفع الرياض إلى نقل برنامجها النووي بالكامل نحو الصين أو روسيا ، وهو ما يعني خسارة الولايات المتحدة لعقود اقتصادية ضخمة، إضافة إلى فقدان نفوذها على أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في المنطقة. لذلك قد تكون الإدارة الأمريكية رأت أن تقديم تنازل محسوب أفضل من خروج السعودية بالكامل من المظلة الأمريكية.
ورغم ذلك، تبقى عدة علامات استفهام دون إجابة. أولها يتعلق بالموقف الإسرائيلي، الذي ظل لعقود يرفض أي برنامج نووي عربي مهما كانت طبيعته. فهل تغيرت الحسابات في تل أبيب إلى درجة قبول برنامج نووي سعودي مقابل بناء تحالف إقليمي أوسع ضد إيران؟ أم أن أي موافقة ستكون محاطة بقيود وضمانات تجعل المشروع أقل مما تطمح إليه الرياض؟
أما السؤال الثاني ، وهو ربما الأكثر أهمية ، فيتعلق بمدى موثوقية الضمانات الأمريكية نفسها. فالرئيس ترامب سبق أن انسحب من الاتفاق النووي مع إيران، رغم أنه كان اتفاقاً دولياً قائماً، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة أي إدارة أمريكية على الالتزام بتعهداتها إذا تغيرت الظروف السياسية أو تبدلت الأولويات.
في النهاية، لا يمكن الجزم بأن ما يتردد حول هذه الصفقة أصبح حقيقة مكتملة، فالكثير من تفاصيلها لا يزال يعتمد على تسريبات وتقارير إعلامية، ولم يصدر إعلان رسمي نهائي يحسم جميع بنودها. لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها ملفات الطاقة والردع النووي والتحالفات العسكرية بصورة غير مسبوقة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد اتفاق نووي، بل بداية لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تتحول التكنولوجيا النووية إلى ورقة مساومة سياسية لا تقل أهمية عن النفط والسلاح، بينما تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة إلى أن تتحول التسريبات إلى قرارات رسمية، أو تثبت الأحداث أن ما جرى لم يكن سوى فصل جديد من لعبة المصالح بين الحلفاء.



