لماذا أعلنت إسرائيل دعمها لسد النهضة الآن؟.. قراءة سياسية في توقيت التحرك ورسائله الإقليمية

✍️ يوحنا عزمي
التعامل مع ملف سد النهضة لم يعد يقتصر على الخلاف التقليدي بين مصر وإثيوبيا ، بل بات يتداخل مع شبكة أوسع من التحركات الإقليمية والدولية التي تستحق القراءة بعناية بعيدًا عن الانفعال أو التهويل. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، التي أشاد فيها بسد النهضة وأعلن عن توجه لتعزيز الاستثمارات الإسرائيلية في قطاعات الزراعة والثروة السمكية ، لتفتح باباً جديداً للنقاش حول دلالات هذا الموقف وتوقيته، وليس فقط حول مضمونه.
المسألة هنا لا تتعلق بمجرد كلمات دبلوماسية عابرة، فحين تصدر إشادة رسمية بهذا الوضوح من مسؤول يمثل دولة تمتلك حضوراً سياسياً وأمنياً مؤثراً في القرن الأفريقي، فإنها تعكس وجود رؤية تتجاوز المجاملات البروتوكولية. فالدول لا تستثمر في المشروعات الكبرى لمجرد تحقيق أرباح اقتصادية، وإنما تنظر إليها باعتبارها أدوات لبناء النفوذ وترسيخ الحضور في مناطق تمثل أهمية استراتيجية.
وتزداد أهمية هذه التصريحات إذا وُضعت في سياقها الزمني. فقد جاءت بعد تصاعد حدة الانتقادات المصرية لسياسات الحكومة الإثيوبية بشأن إدارة وتشغيل السد ، وبعد تصريحات مصرية اعتبرت أن إثيوبيا تُسيّس هذا الملف، أي توظفه سياسيًا بما يتجاوز الهدف التنموي الذي أعلنت عنه منذ بداية المشروع. ومن هذا المنطلق ، فإن أي دعم سياسي أو اقتصادي خارجي لأديس أبابا في هذه المرحلة يحمل بطبيعته أبعاداً تتجاوز الاستثمار التقليدي.
وخلال الأيام الأخيرة شهد الملف تطورات مرتبطة بإجراءات إثيوبية تخص تشغيل السد، وهو ما أثار مجددًا حالة الجدل حول تأثير هذه الإجراءات على دولتي المصب ، خاصة مع استمرار الخلاف بشأن آليات التنسيق والإدارة. وتؤكد مصر منذ سنوات أن أي تشغيل أو ملء يجب أن يتم وفق اتفاق قانوني ملزم يضمن حقوق جميع الأطراف ، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في إدارة المشروع وفق رؤيتها ، وهو ما أبقى الأزمة مفتوحة حتى الآن دون تسوية نهائية.
أما إعلان السفير الإسرائيلي عن اهتمام المستثمرين الإسرائيليين بالمشاركة في قطاعات الري الحديث، والإنتاج الزراعي، والثروة السمكية داخل إثيوبيا، فيحمل دلالة اقتصادية وسياسية في الوقت نفسه. فهذه القطاعات ليست مجالات عشوائية ، بل ترتبط مباشرة بخطط إثيوبيا لتعظيم الاستفادة من مواردها المائية والطاقة الكهربائية الناتجة عن السد، بما يدعم برامج التوسع الزراعي والصناعي خلال السنوات المقبلة. وبالتالي ، فإن دخول شركات إسرائيلية إلى هذه القطاعات يعني مشاركة في مرحلة ما بعد بناء السد ، أي في تعظيم العائد الاقتصادي للمشروع، وليس فقط متابعة إنشائه.
لكن من المهم في المقابل التمييز بين ما تؤكده الوقائع وما يدخل في نطاق التحليل السياسي. فالحديث عن أن هذه التحركات تعني بالضرورة مشاركة إسرائيل في “إدارة السد” أو استخدامه كورقة ضغط على مصر يظل استنتاجاً سياسيًا يحتاج إلى أدلة مباشرة، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة بمجرد صدور تصريحات عن استثمارات أو تعاون اقتصادي. فالسياسة الدولية تُبنى على المصالح، لكن إثبات طبيعة هذه المصالح يتطلب شواهد واضحة تتجاوز التقديرات.
الثابت حتى الآن أن منطقة القرن الأفريقي أصبحت ساحة تنافس إقليمي ودولي متزايد، وأن سد النهضة يمثل أحد أهم عناصر هذا التنافس، ليس فقط بسبب المياه، وإنما أيضاً بسبب الطاقة ، والموقع الجغرافي ، وفرص الاستثمار، والتوازنات الأمنية. لذلك فإن أي دولة تنجح في تعزيز وجودها الاقتصادي داخل إثيوبيا ستكتسب بالضرورة قدرًا من النفوذ السياسي ، وهو أمر لا يقتصر على إسرائيل وحدها ، بل يشمل قوى إقليمية ودولية أخرى تسعى إلى توسيع حضورها في القارة الأفريقية.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية : هل تتحول الاستثمارات الخارجية إلى أدوات تأثير في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للأمن القومي المصري؟ هذا السؤال ستجيب عنه تطورات المرحلة المقبلة، لكن المؤكد أن قراءة المشهد لا ينبغي أن تعتمد على التصريحات منفردة، وإنما على متابعة حركة المصالح والتحالفات على الأرض، لأن السياسة الدولية كثيراً ما تُدار عبر الاقتصاد قبل أن تُدار عبر البيانات الرسمية.
ملف سد النهضة لم يعد مجرد نزاع حول المياه ، بل أصبح جزءًا من معادلة جيوسياسية معقدة تتشابك فيها اعتبارات الأمن، والاقتصاد، والنفوذ الإقليمي. ومن هنا، فإن فهم ما يجري يتطلب قراءة هادئة تعتمد على الوقائع والتحليل، بعيدًا عن المبالغة من جهة، أو التقليل من أهمية التحركات الجارية من جهة أخرى.



