مقالات

هل بدأ العد التنازلي للفوضى الكبرى؟ أوكرانيا تهتز والشرق الأوسط يشتعل

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

ما يجري في الإقليم لم يعد مجرد تطورات متفرقة يمكن النظر إليها كل على حدة، بل أصبح سلسلة من الأحداث المتشابكة التي قد تعيد رسم موازين القوى السياسية والعسكرية في أكثر من ساحة. وبينما تنشغل الأنظار بالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، بدأت أوكرانيا تشهد تطورات داخلية قد تكون الأخطر منذ وصول فولوديمير زيلينسكي إلى السلطة ، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اتساع رقعة الصراع الإقليمي وما قد يحمله من تداعيات اقتصادية وعسكرية تتجاوز حدود الدول المنخرطة فيه.

في أوكرانيا، يواجه الرئيس فولوديمير زيلينسكي تحدياً داخلياً غير مسبوق، بعدما أثارت قراراته الأخيرة موجة من الغضب الشعبي. فقد جاء قرار إقالة وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف في توقيت بالغ الحساسية، بينما كانت البلاد تخوض واحدة من أصعب مراحل الحرب. ولم تمضِ ساعات على القرار حتى أعلن نائب قائد القوات الجوية الأوكرانية بافلو يليزاروف استقالته، وسط توقعات بانضمام مسؤولين آخرين إلى موجة الاستقالات، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول وجود خلافات حقيقية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.

ما زاد من حدة الأزمة أن آلاف المتظاهرين خرجوا في العاصمة كييف وعدد من المدن الكبرى، من بينها لفيف وخاركيف وأوديسا ودنيبرو وتشيرنيفتسي، معلنين رفضهم للإقالة وداعمين للوزير المقال. وتجمع المحتجون بالقرب من مكتب الرئاسة في كييف، في مشهد وصفه مراقبون بأنه من أكبر التحركات الشعبية المعارضة للرئيس منذ اندلاع الحرب. وإذا استمرت هذه الاحتجاجات واتسعت رقعتها، فإنها قد تتحول إلى أزمة سياسية حقيقية تهدد استقرار السلطة في وقت تعتمد فيه أوكرانيا على وحدة الجبهة الداخلية لاستمرار المواجهة العسكرية.

ورغم هذه الضغوط، أبدى زيلينسكي تمسكه بقراراته، مؤكداً أنه لا يشعر بالقلق، ومعلنًا عزمه تعيين وزير الداخلية إيهور كليمنكو وزيراً جديدًا للدفاع، في محاولة لإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو : هل يكفي تغيير الأشخاص لاحتواء أزمة يبدو أن جذورها أصبحت أعمق من مجرد تعديل وزاري؟

وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى الشرق الأوسط، حيث تتصاعد التقديرات بشأن احتمالات انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر خطورة. وتتداول تقارير وتقديرات غير مؤكدة معلومات عن استعدادات أمريكية قد تشمل عمليات برية محدودة أو خاصة ، مع تداول اسم جزيرة “خرج” الإيرانية باعتبارها هدفاً ذا أهمية استراتيجية نظراً لدورها المحوري في تصدير النفط الإيراني. وحتى الآن، لا يوجد تأكيد رسمي من واشنطن أو طهران على تنفيذ مثل هذه العملية، لكن مجرد تداول هذا السيناريو يعكس حجم التوتر الذي وصلت إليه المنطقة.

وفي حال توسع نطاق المواجهة ، فإن خطوط الملاحة البحرية ستكون من أوائل المتضررين. ويظل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس، وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره ستكون له انعكاسات مباشرة على التجارة الدولية والاقتصاد المصري. وقد أظهرت التجارب السابقة أن تراجع أعداد السفن العابرة للقناة يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، وهو ما يجعل أمن البحر الأحمر جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

كما أن استمرار الهجمات المتبادلة في البحر الأحمر يضع دول الخليج أمام تحديات متزايدة، خاصة في ظل اعتماد صادرات النفط على طرق الملاحة البحرية. فكلما اتسعت دائرة الاستهداف، ارتفعت تكلفة التأمين والشحن، وازدادت الضغوط على أسواق الطاقة العالمية ، بما ينعكس على أسعار النفط وسلاسل الإمداد الدولية.

وفي الوقت نفسه، تتزايد المخاوف من أن يؤدي اتساع الصراع إلى انخراط أطراف إقليمية أخرى بصورة أكبر، سواء عبر المواجهات المباشرة أو من خلال الجماعات المسلحة المتحالفة مع أطراف النزاع، وهو ما يرفع احتمالات انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

وسط هذه التطورات، تبدو المنطقة والعالم أمام مرحلة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر وعدم اليقين. فأي قرار سياسي أو عسكري قد يغير مسار الأحداث خلال ساعات، بينما تظل الشعوب هي الطرف الأكثر تأثراً بتداعيات الحروب ، سواء عبر الخسائر البشرية أو الضغوط الاقتصادية أو اضطراب الأمن والاستقرار.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التعامل مع الأخبار والتقارير المتداولة بحذر أمراً ضرورياً ، خاصة في ظل كثافة المعلومات المتداولة وسرعة تغير الوقائع على الأرض. فالمشهد لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات، وما يبدو اليوم مجرد تقدير أو سيناريو قد يتغير سريعًا مع صدور بيانات رسمية أو تطورات ميدانية جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى