ابداعات

نازا ووهم الغفران

أحمد المقدم

في عصر يموج بالأحداث العملاقة التي تمثل مادة خصبة للإعلام والفن، أصبحت وجهات السفن معروفة على بوصلة كل من يملك شاشة ذكية، ويتمتع برفاهية التصفح على منصات التواصل الاجتماعي. فقد نمى الوعي الجمعي والفردي حتى أصبح واضحًا دون تحليل عميق مبتغى أي جهة قد تظهر للعلن عملا يحمل رسائل مبطنة للجمهور الدولي.

ورغم أن الفن السابع أو السنيما هو مرآة الشعوب، فقد أصبح الناس مع بداية العقد الثالث من القرن الأخير، يرون الصورة الكاملة خلف كواليس أي عمل سنيمائي، ويرون الحقيقة الواضحة ويملكون القدرة على البقاء خلف الستار حول مائدة الرأي والرأي الآخر.

انتهت إعلاميًا الحرب الإسرائيلية على غزة، ولكن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي (العربي الإسرائيلي سابقا) لازال يخيم بظلاله القاتمة على المؤمنين، الذين تراقصت قلوبهم دعمًا لرقصة أصحاب الأرض، هؤلاء الذين لم يتلاعب بعقولهم الإعلام الصهيو أمريكي، الذي جعل صحوة السابع من أكتوبر فزاعة لمجازر المشروع الصهيوني التي راح ضحيتها أكثر من سبعين ألف روحٍ تمسكت بالحق والحرية.

تعني” نازا” أعداد القتلى من المدنيين العزل في قطاع غزة، والذين يتم تصفيتهم بدمٍ بارد من قبل جنود جيش الاحتلال، كضرر جانبي في حرب شنها على حركة حماس (نازك أجفي أو الضررالجانبي، كلمة حركية استخدمها الجنود فيما بينهم) . وهو الاسم الذي اختاره لفيلم وثائقي يصور جرائم الإبادة في غزة المخرجان الإسرائيليان يوڤال إبراهام وراشيل شور.

يوثق الفيلم شهادة أربعة وعشرين جنديًا وضابطًا من جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، بحق أعمال الإبادة في قطاع غزة. وقد فاز الفيلم بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا الأخير، وقد لاقى تصفيقًا حارًا من الحضور لمدة خمس وعشرين دقيقة.

يمثل المخرجان الإسرائيليان التيار الليبرالي الصهيوني، والذي ينادي بالمواطنة التي تكفل تواجد كلا الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية بجانب بعضهما البعض. وهي المواطنة التي تضمن حقوق مواطني كلا البلدين.

لقد أثار الفيلم موجة من الاستياء بين الأوساط العسكرية والمدنية في المجتمع الاسرائيلي، حتى نادى بعض رجالات الدولة وصانعي القرار بضرورة اعتبار الفيلم كمشروع معاد للصهيونية، وعليه فإن المخرجين لابد أن يُدانا بتهمة الخيانة العظمى.

وبين جمهور المتابعين، فهناك من قد دعم ابراهام وشور وهم قاعدة عريضة حتى في الوطن العربي، ولكن يجدر السؤال هنا حول ما إذا كان غرض الفيلم حقا هو انصاف المقاومة؟

تحدث الجنود بصوت مخفي الملامح عن كونهم يلعبون لعبة قتل واقعية في تلك الحرب. ولكن هل كان ينقص ما صرحوا به كي يكشف المستور؟ هل هناك ما لم يعرفه المجتمع الدولي حق المعرفة حول القضية؟

بينما يحاول الجاني محاولة يائسة تحت رداء الليبرالية الصهيونية اجتذاب الرأي العام، يظهر هناك العشرات من صناع الأفلام الفلسطينيين، اظهار المحصلة ذاتها وسط تعتيم وتهميش كامل من لجان التحكيم في تلك المهرجانات السينيمائية والتي تكايل بمكيالين كطبيعتها دومًا في مثل تلك المحافل.

وعلى مستوى المتابعين الذين يلهثون في مواقع التواصل خلف ممثل هنا ومغنية هناك في الغرب، الذين توشحوا بالكوفية الفلسطينية، يتحدثون عن مارك رافالو وخافيير بارديم وبينولوبي كروز وغيرهم، الذين تحدثوا مرارًا عن تأييدهم للقضية، وكأن الحرب قد انتهت وكأن حديثهم قد قام بإنهاء الحرب ومحاكمة مرتكبي الإبادة.

خلال أقل من تسعين عامًا، تحول الموقف الصهيوني من منادِ بالسامية متحديًا وحشية النازية في الهولوكوست على لسان الكثير من الكتاب وصانعي الأفلام (كما أشرت في مقال سابق إلى كتاب بحث الإنسان عن المعنى لڤكتور فرانكل)، إلى موقف الجاني الذي يسعى يائسًا الخروج بجبهة بيضاء من جرائمهم التي هي أنفسها كجرائم النازية خلال أقل من قرن.

ذلك التنديد الصوري الذي تعج به الأوساط السياسية والعسكرية في الداخل الإسرائيلي حول فيلم نازا، والذي يتزامن مع التهميش الأدبي والمعنوي المتعمد لصناع الأفلام الفلسطينيين، والذين يمثلون الجانب الذي كان عليه الجانب الأسرائيلي وقتما كان مجنيًا عليه لن يغير من الموقف الدولي شيئا ولو ظل التصفيق في مهرجان ڤينيسيا أيامًا ليس دقائق معدودة.

وفي ذلك الشأن المتعلق بحظر الأفلام الفلسطينية، هناك سلسلة من الأفلام التى قد انتجها وأخرجها فلسطينيون توثق ما وثقه إبراهام وشور بل وأكثر (لن يستطيع الجاني أن يوثق معاناة الضحية أكثر من الضحية نفسها، ومن تلك السلسلة نذكر على سبيل المثال لا الحصر فيلمًا يحمل عنوان “من المسافة صفر” (2024) وهو أنثولوچيا من إثنين وعشرين فيلما قصيرًا قام بإخراجهم جميعًا مخرجون فلسطينيون، قد عايشوا جحيم القصف في قطاع غزة مثل رشيد مشهراوي، وسام موسى، نضال دامو وأحمد حسونة. وقد مُنع هذا الفيلم من الترشح لمهرجان كان الفرنسي بعدما تمت الموافقة السياسية عليه.

وفي ذات العام أيضا منع فيلم المخرجة الفلسطينية الأمريكية شيرين دبيس والذي يحمل عنوان ” كل ما تبقى منك All That’s Left of You” من مهرجان كيرالا في الهند.

لقد تزامن ذلك الحظر المتواصل للأعمال الفلسطينية، مع محاولات تحويل الموقف الإسرائيلي، إلى موقف الساعي نحو تصحيح الأوضاع صوريًا أمام الرأي العام، مع تهميش متعمد للجانب الذي لا يمكن بحال سوى أن ترى شهادته النور.

لقد تحول الموقف الصهيوني قديمًا من مجني عليه من قبل الفيرماخت الألمانى إبان الحرب العالمية الثانية، إلى جان في الصراع حول الأرض مع الفلسطينيين الذين أصبحوا يمثلون المجني عليه والإسرائيلي يعرف ذلك حقا. ولكن العقل الصهيوني يسعى دائمًا إلى الحيلولة دون أن يُرى سوى مجني عليه على أصداء مذابح الهولوكوست، فهم لن يتحولوا أبدا إلة جناة، فما يقومون به دوما هو حق أصيل للمقاومة ضد من يسمونهم بأعداء السامية.

قد يصنف عداء السامية ضمن أكبر عشر أكاذيب فى تاريخ البشرية، وهو ما جعل الصهيونية وحشًا للإمبريالية العالمية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فهم يشكلون دومًا حليفا تراه القوى الاستعمارية الأوروبية والأمريكية كمسمار جحا في الشرق الإسلامي. فلا ضرر أن يكون هناك فيلم يظهر الجاني كتائب يعترف بذنبه، ويطلب الغفران على اعتاب المجني عليه. أما ما خلف الستار، فلا زالت الصهيونية تسفك المزيد من دماء الأبرياء تحت فزاعة مقاومة أعداء السامية.

ما حدث في مهرجان ڤينيسيا احتفاءً بفيلم نازا هو مكسب، سيعود فقط على ابراهام وشور كصناع محتوى سينيمائي، وستثبت الأيام القادمة اتباع الاحتلال سياسة استيطانية جديدة مفادها محاولة خلق مساع للتطبيع مع المجني عليه من واجهة الليبرالية الصهيونية. فإذا كان الجاني معترفا بجريمته فعندها تتم محاكمته جراء ما فعله وسيأخذ القانون العادل مجراه. فعندها فقط ترفع القبعات لمثلهما. أما دون ذلك، فكل لبيب بالإشارة يفهم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى