قصص

إليكِ

✍️ آية الجبالي

كيف يمكن لمن جاورك أن يمرّ هكذا دون أن تعلق به نفحات من جمال روحك؟! وكيف أقارنكِ وأنتِ لا تُشبهين أحد.

حُلوة أنتِ؛ وقبل أن تحمرَّ وجنتيكِ فهذا ليس غزلًا عزيزتي بل هو ما وددتُ أن أخبرك به في كل مرة أراكِ فيها ولم تُسعفني كلماتي أمام خجل عينيك وتلعثم حروفي.

وكلما قطعت نصف الطريق مع ظنوني وجئتُ لأتخطى نصفه الآخر لأخبرك بمكنون مشاعري، أعود الطريق بأكمله بنظرة منكِ تخبريني فيها “لا تتعدى حدود الودّ المألوف بيننا”.

ورغم براءتُكِ البادية في كل أفعالك، فدائمًا ما حيرتني أنتِ وتركتي عقلي شاردًا لا يعرف من أين يبدأ، فهل لي حقُّ في أن أراسلكِ بذاك الخِطاب وتقبليه؟!.

ولكن دعينا نتفق أنني سأسرد لكِ قصتي معكِ وكأنني أحكي عن شخص آخر غيرك.

في البداية أحب أن أخُذ ذهنك معي لتخيل تلك الحالة التي تمسكين فيها بيديك بشيء ما، ولكنك غير مدركة لحقيقة هذا الشيء، أنتِ لم تريه من قبل، ولا تستطيعين تميزه، فتظلين تدققين النظر محاولة أن تتعرفي على ماهيته وتتسألين بذهول ما هذا بالضبط؟!.

هل وصلتِ لتلك النقطة التي أقصدها؟! إن استطعتِ تخيلها فهذا بالضبط شعوري الدائم معها منذ بدأت أحس أنها تجول داخل وجداني.

ذلك الشعور حين تتعاملين مع شخص غير واضح فيما يفعل، مبهم في كل سلوكياته معك، يحير عقلك فلا تستطيعين البتَّ أو الحكم على شخصيته، حتى أنه قادرٌ على أن يجعلك تظنين العيب في عقلك أنتِ.

محيرة دومًا هي، بداية من ردة فعلها حين تراني، تارة تلمع عينيها ويتسع ثغرها بابتسامة مرح طفولي – وكأنها كانت تتلهف لرؤيتي وتنتظرني -، وتارة أخرى تحدثني وكأنني أُشكل عبء تود التخلص منه أو بالأحرى كشيءٍ ليس له تلك الأهمية ليشكِّل فارقًا معها في الأساس.

تأتي في يوم من تلقاء نفسها فتحدثني بأمورٍ تشغل عقلها وتطلب مساعدتي في اتخاذ قرارٍ سليم، وكانت تلك أكثر اللحظات سعادة بالنسبة لي حين أشعر أنني مسؤول – ولو بشكل بسيط – عن شيء يخصها، وكنت أغار وأتسائل بداخلي هل تراني وسط كل تلك الأشياء التي تشغل عقلها؟! هل أمثل لها شيء؟! هل تتذكرني في يومها فتبتسم؟! كنت أخبرها في كل مرة بأفعال كثيرة أنني أحبها وأنني لا أودّ سوى أن أتأكد فقط من حقيقة مشاعرها قبل أن أجازف وأعلنها لها صراحةً.

كنت أتعجب دومًا من ذاتي معها؛ فأنا لم أكن يومًا في وضعية الشخص المنتظِر تلك، وهذا على وجه الخصوص ما كان يثير غضبي.

لمَ معها بالذات أكون منتظِرًا متلهفًا؟! كيف لأي عبارة يذكَر فيها اسمُها أن تثير حواسي واهتمامي لهذا الحد؟! التفاتة صغيرة منها حين تتحدث قادرة على العبث بكل وجداني، وأتمنى حينها لو كانت مثلها مثل الأخريات عندي، أن ترى ذاك الجانب من معاملتي لهن لتعرف أنني لم أكن بهذا الحال يومًا سوى معها، ومعها فقط.

كنت حين أراها أتحول لطفل صغير جالس أمام أمه خائفًا من أن يخبرها بجُرم قد ارتكبه، فأصير حائرًا مترددًا بين أن أخبرها بما أكنِّه لها، وبين أن أنسى الأمر تمامًا وأعاملها بنفس الفتور البادي منها إليّ، حتى ينتهي اليوم ويمر ويأتي يومًا جديدًا أراها به.

أذهب وأنا عازمًا على الصمت وعدم التحدث في أي أمر خارج شئون العمل ومع أول ابتسامة منها أجدني أسالها عن حالها وأسترسل في الحديث معها كما لو كنت قد تعلمتُ النطق للتو، وأظل شاردًا في كل إمائة تصدر منها.لازمتها حتى حفظتُها عن ظهر قلب.

أغيب مثل ما أغيب وأقسم بعدم تحدثي معها مهما بدى من أمور، ثم أجدني بدون مبرر أختلق العبارات التي تجذبها ليروق لها الحديث وتضحك تلك الضحكة التي لم تفشل يوما في تحويل حالتي المزاجية للأفضل.

أغضب منها وأقاطعها لشيء قد بدر منها وأزعجني، وحين تنظر لي بلوم على غيابي هذا؛ أجدني أنا من يعتذر لها! وظللت هكذا في حالة تخبط ميؤسًا منها لا تنتهي، أما هي فظلت كما عرفتها، متزنة، ثابتة، تفعل كل شيء بحدود، ولا تريح قلبي أبدًا لا تخبرني بأنها تحب وجودي، ولا تصرح بأنها تودُّ غيابي.

وظللت على تلك الحالة عامًا كاملًا، عامًا يمكن أن يكون عنوانه علامة تعجب أو استفهام كبيرة، وستكون اسمًا ملائمًا جدًا لشكل علاقتي معها.

سيدور في ذهنك بالتأكيد سؤال هامًا الأن، وهو لماذا لم ترح ذاتك وتخبرها وتترك لها هي الخيار طالما أنك في كل الأحوال تعاني؟ فعلى الأقل حينها ستتخلص من حيرتك تلك وسيحسم الأمر بشكل قاطع.ولكن الأمر لم يكن يومًا بتلك البساطة عزيزتي.

نحن نكون قادرين دومًا على معرفة القرار الواجب اتخاذه طالما أننا خارج المشهد، بل ونتعجب من عدم قدرة الآخر على رؤية الحل ونصفه أحيانًا بالغباء، ولكننا نكون ساذجين حقًا إن ظننا أن اتخاذه سيكون بتلك السهولة وذلك الوضوح.لقد شاهدتِ بالطبع ذلك المشهد حين يخبر الطبيب أهل المريض بأنه سيكون حيًا ولكن باتصاله على عدة أجهزة وإن فُصلت عنه سوف يموت، ويترك لهم الخيار في وفاته أو وضعه على حالة الموت المؤقت.

تجدين حينها أهله يطلبون من الطبيب تركه على تلك الأجهزة متعلقين بأمل في أنه قد يفيق في لحظة ما، فهذا الأمل بالنسبة لهم – وهو وجوده على قيد الحياة – حتى لو كان ضعيفًا سيكون أفضل بكثير من انعدامه كليًا. حتى لو رأى الآخرين هذا أنه عذاب دون جدوى.

فذلك ما كنت أراه أنا معها، كنت أجد أن حيرتي تلك أهون بكثير من اعترافي الذي قد يترتب عليه خيبة أمل لا أستطيع بعدها أن أحدثها أو أراها ثانية، وذلك ما كنت أتوقعه لأنني لم أكن أدرك سوى الخيبة في كل مراد لي معها.

حتى أتى ذلك اليوم الذي استيقظتُ فيه فوجدت رسالة إلكترونية منها تخبرني فيها بأنها حصلت على ترقية بالعمل وأنها سعيدة بهذا، فوجدتني أسألها في رسالة مني، لماذا أخبرتيني أنا بالذات بهذا؟!.

أجابت: لأننا أصدقاء.

انتظرت فترة ثم وجدتني لا إراديًا أكتب لها – كل ما بداخلي من مشاعر مختلطة – رسالة كانت هي آخر ما بيننا إلى تلك اللحظة ثم ضغطت على زر إرسال وكان هذا محتوى رسالتي لها: “نحن لسنا أصدقاء، لماذا أنتِ لست صريحة مع نفسكِ ومعي؟! لماذا أنتم أيتها الفتيات تحبون الإثارة ولعب دور الغموض؟! لماذا تتركون من أمامكم يشعر أنه قريب منكم ولكنه في ذات الوقت بعيد كل البعد عنكم.؟!”

وجدتني أعبر عما يلوج في صدري بكل الغضب المكنون داخلي والذي خرج على هيئة كلمات بعضها كان صادق والأكثر كنت أعرف أنه سيكون قاسيًا عليها.

اتهمتها بالأنانية وأنها تعلم بمشاعري وتستمر في ذاك السخف عن عمد.

اتهمتها بأنها تحب أن ترى من حولها مغرمون بها، وغيرها من الكلمات التي لم أكن أستطع أن أخبرها بها وهي أمامي وربما لأن شبكات التواصل الاجتماعي تجعلنا أكثر جراءة فاستطعت أن أخبرها بكل تلك الحرارة.

ظللت بعدها انتظر ردها وكانت هي كعادتها تقرأ وتتمهل حتى تجيب، ولكن تلك المرة تمهلت أكثر مما ظننت، فهي لم تجب من الأساس.

ظللت أنتظر طوال اليوم، وانتظرت اليوم التالي والأسبوع اللاحق، وغيرها من الأيام، وهي لا تجيب، حتى وجدتها قد قامت بحظري من كل موقع يمكن أن أصل منه إليها.

تناسيت الأمر لعدة أيام ورضيت بأن تكون تلك هي النهاية، ولكن شيئًا ما داخلي ظل يراودني بأن أرسل لها بهذا الخطاب، فأخبرها فيه بكل ماوددت دومًا أن أقوله لها ومع علمي أنها قد لا تجيب على هذا أيضًا ولكن يكفيني أنني قد أخرجت كلماتي تلك بدلًا من أن تظل حبيسة صدري، وحتى لا يأتي يوٌم وأشعر فيه بالندم لأنني لم أفعل هذا فهل تظنين أنها سوف تجيب؟!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة لـ مجلة هافن HAVEN Magazine
Powered by Mohamed Hamed