أمريكا تبحث عن حلفاء في هرمز .. والعالم يتردد والصين تتحرك نحو تايوان

✍️ يوحنا عزمي
ما يجري في هذه اللحظة يبدو وكأنه مشهد لم يكن أحد يتوقعه قبل أسابيع قليلة فقط. فالصورة التي اعتاد العالم رؤيتها لعقود ، حيث تقود الولايات المتحدة التحالفات الدولية وتتحرك خلفها القوى الغربية في صف واحد ، بدأت تتشقق بشكل واضح.
المشهد الحالي يوحي بأن واشنطن وجدت نفسها فجأة في مأزق استراتيجي معقد ، وكأن السفينة التي كانت تقود النظام العالمي بدأت تميل وسط بحر مضطرب ، بينما يقف الحلفاء على الشاطئ مترددين في القفز إلى المياه لإنقاذها.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأمريكية احتواء الأزمة، تظهر قوى أخرى في النظام الدولي وهي تستغل الفرصة لتوسيع نفوذها وفرض وقائع جديدة على الأرض، وفي مقدمتها الصين التي تتحرك بهدوء ولكن بثقة في مسار مختلف تماماً.
ففي أحدث تطورات الأزمة ، خرج دونالد ترامب بتصريحات أعلن فيها أنه يسعى إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.
الفكرة في ظاهرها بدت وكأنها محاولة لإعادة ترتيب صفوف الحلفاء لمواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة ، لكن ما حدث بعد ذلك كان لافتاً للنظر إلى درجة كبيرة.
فالرئيس الأمريكي لم يكتفي بمخاطبة الحلفاء الغربيين التقليديين ، بل ذهب إلى حد مطالبة الصين نفسها بالمشاركة في هذا التحالف بحجة أن جزءًا كبيراً من نفطها يمر عبر هذا المضيق الحيوي.
غير أن الردود التي جاءت من العواصم المختلفة لم تحمل الحماس الذي كانت واشنطن تتوقعه ، بل بدت أقرب إلى رسائل دبلوماسية باردة تعكس حجم التردد وربما الرفض غير المعلن للانخراط في مواجهة قد تتسع وتتحول إلى حرب أوسع.
أستراليا كانت من أوائل الدول التي حسمت موقفها بوضوح، إذ أعلنت رسمياً أنها لن ترسل أي سفن حربية للمشاركة في هذه المهمة ، في موقف فُهم على أنه رسالة صريحة مفادها أن كانبيرا لا ترغب في التورط في تصعيد عسكري جديد في المنطقة.
اليابان بدورها لم تُبد حماساً كذلك ، واكتفت بالقول إن إرسال قوات أو قطع بحرية لمجرد طلب أمريكي ليس قراراً يمكن اتخاذه بسهولة ، مؤكدة أن الأمر يتطلب قدراً كبيراً من الحذر والتقييم.
كوريا الجنوبية اختارت أسلوباً أكثر دبلوماسية ، فأعلنت أنها ستدرس الأمر قبل اتخاذ أي قرار، وهي صيغة غالبًا ما تُستخدم عندما تكون الدولة غير راغبة في الالتزام الفوري.
أما في أوروبا ، فقد كان المشهد أكثر وضوحاً. بريطانيا وفرنسا، وهما من أقرب الحلفاء العسكريين لواشنطن ، لم تعلنا أي استعداد لإرسال سفن حربية إلى المنطقة. ووفق تقارير صحفية بريطانية، فإن لندن حاولت تخفيف وقع الرفض عبر طرح فكرة إرسال طائرات مسيرة متخصصة في إزالة الألغام البحرية بدلًا من المخاطرة بقطع بحرية كبيرة داخل المضيق. هذا الاقتراح في حد ذاته يعكس درجة القلق من احتمالات التصعيد العسكري في تلك المنطقة الحساسة.
حتى ألمانيا ، التي عادة ما تتخذ مواقف حذرة في القضايا العسكرية، لم تُخفِ شكوكها. وزير الدفاع الألماني صرح بوضوح بأن هذه الحرب ليست حربهم ، وأنها لم تبدأ بمبادرة أوروبية، متسائلًا بشكل شبه ساخر عما إذا كان يُفترض أن فرقاطتين أوروبيتين تستطيعان تحقيق ما تعجز عنه البحرية الأمريكية نفسها في مضيق هرمز. هذا النوع من التصريحات يعكس بوضوح حجم الفجوة التي بدأت تظهر بين واشنطن وبعض شركائها التقليديين.
كل هذه الردود المتحفظة أثارت غضب ترامب بشكل واضح، وهو ما انعكس سريعاً في تصريحاته اللاحقة التي حملت نبرة تهديد صريحة. فقد قال إن مستقبل حلف شمال الأطلسي قد يصبح مظلماً للغاية إذا لم يشارك الحلفاء في مواجهة إيران. المفارقة هنا أن هذا الحلف نفسه كان قبل أشهر قليلة هدفاً لانتقادات ترامب وسخريته العلنية ، عندما كان يتهم أعضائه بعدم تحمل نصيبهم من الأعباء الدفاعية. أما الآن، فقد أصبح يطالبهم بالتحرك العاجل إلى جانبه في مواجهة أزمة معقدة في الخليج ، إلى درجة أنه أطلق على التحالف المقترح اسم “تحالف هرمز”.
في الوقت نفسه ، لا تزال الإدارة الأمريكية تصر في تصريحاتها العلنية على أنها تحقق تقدماً في الصراع ، بل وتتحدث أحياناً عن انتصار عسكري ، رغم أن الوقائع على الأرض توحي بصورة أكثر تعقيداً وتناقضاً. هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع الاستراتيجي أصبح موضع سخرية لدى كثير من المراقبين، خاصة مع تزايد المؤشرات على أن الأزمة الحالية ليست سهلة الاحتواء.
أما الصين ، فقد اختارت حتى الآن التزام الصمت ، وهو صمت له دلالات كبيرة في لغة السياسة الدولية. فغياب التعليق في مثل هذه الظروف غالباً ما يعني عدم الرغبة في الانخراط في اللعبة التي تحاول قوة أخرى فرضها. في الواقع ، لا يبدو أن بكين تملك أي دافع حقيقي للتدخل لصالح واشنطن في هذه الأزمة.
خلال السنوات الماضية ، عملت الصين بشكل منهجي على تعزيز أمنها في مجال الطاقة ، فرفعت احتياطاتها الاستراتيجية من النفط إلى مستويات ضخمة، ووسعت شبكة مورديها حول العالم، واستثمرت بشكل مكثف في مصادر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية. هذه السياسات لم تكن مجرد قرارات اقتصادية، بل كانت جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق الجيوسياسية مثل مضيق هرمز.
إلى جانب ذلك، تعد الصين الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران وأحد أهم المشترين لنفطها، ما يجعل فكرة مشاركتها في تحالف يستهدف الضغط على طهران أمراً غير منطقي من منظور المصالح الاستراتيجية. بل إن بعض التصريحات الإيرانية ألمحت إلى احتمال السماح بمرور ناقلات النفط عبر المضيق إذا جرت المعاملات التجارية باستخدام اليوان الصيني بدلًا من الدولار ، وهو ما يمثل فرصة للصين لتعزيز عملتها عالمياً بدلًا من الدخول في مواجهة تخدم خصمها الاستراتيجي.
في خضم هذه التعقيدات ، يواجه ترامب معضلة أخرى تتمثل في صعوبة إنهاء الحرب أو احتواء تداعياتها بسرعة. تقارير إعلامية أمريكية أشارت إلى أن استمرار القيود على تصدير النفط الخليجي وإغلاق مضيق هرمز قد يجعل إنهاء الصراع أمراً بالغ التعقيد حتى لو رغبت الإدارة الأمريكية في ذلك. وهو ما يفسر ربما تصريحات ترامب الأخيرة التي قال فيها إنه مستعد لمناقشة الأمور مع طهران، لكنه غير متأكد من استعداد الإيرانيين للدخول في مفاوضات جدية.
المفارقة أن هذه التصريحات تأتي من نفس الشخص الذي يؤكد في خطاباته أن إيران تلقت ضربة قاصمة وأن البحرية الإيرانية تم تحييدها وأن الحرب تسير لصالح الولايات المتحدة. هذا التناقض الواضح بين الحديث عن الانتصار من جهة ، والتلميح إلى ضرورة التفاوض من جهة أخرى ، يعكس حجم الارتباك في المشهد.
في الوقت ذاته ، بدأت تظهر مؤشرات على أن الصين تستغل انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لتعزيز تحركاتها في شرق آسيا. التقارير الصادرة من تايوان تشير إلى تصاعد غير مسبوق في النشاط العسكري الصيني حول الجزيرة ، حيث دخلت عشرات الطائرات الحربية المجال الجوي التايواني ، واخترق عدد منها منطقة الدفاع الجوي، بينما تم رصد سفن حربية صينية تتحرك في محيط الجزيرة في استعراض واضح للقوة.
هذه التحركات تأتي في توقيت حساس ، خاصة بعد أن أعادت الولايات المتحدة توزيع جزء من قواتها البحرية والجوية من شرق آسيا إلى مناطق أخرى. هذا الفراغ النسبي في التوازن العسكري شجع قوى إقليمية أخرى على التحرك ، بما في ذلك كوريا الشمالية التي عادت إلى إجراء تجارب صاروخية باليستية ، في إشارة إلى أن المشهد الأمني في المنطقة قد يتجه إلى مزيد من التوتر.
وفي خضم كل ذلك ، لا يزال التوتر في الشرق الأوسط مرشحاً للتصعيد أكثر، خاصة مع استمرار الضغوط السياسية داخل إسرائيل لفتح جبهات جديدة ، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، وهو سيناريو قد يدفع المنطقة بأكملها إلى مرحلة أكثر خطورة من الصراع. بعض المراقبين يرون أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة إلى حد يجعل من الصعب على أي طرف التحكم في مسار الأحداث.
كل هذه التطورات مجتمعة توحي بأن المنطقة والعالم يقفان أمام مرحلة انتقالية عميقة. فالنظام الإقليمي الذي كان قائماً قبل هذه الأزمة بدأ يتغير بشكل واضح ، والتوازنات التي حكمت العلاقات الدولية لعقود لم تعد ثابتة كما كانت. القوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها ، والتحالفات القديمة لم تعد تعمل بنفس الكفاءة ، بينما تظهر فرص جديدة أمام دول أخرى لإعادة تعريف موقعها في هذا المشهد المتغير. في مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح الخيارات التي تتخذها الدول الصغيرة والمتوسطة ذات أهمية مضاعفة، لأنها قد تحدد موقعها في النظام العالمي الجديد الذي يتشكل ببطء ولكن بثبات.



