بين التاريخ والسياسة .. لماذا تبقى العلاقة بين مصر وإيران معقدة؟

✍️ يوحنا عزمي
يمكن النظر إلى التهديد الإيراني للأمن القومي المصري باعتباره مسألة ممتدة عبر عقود ، تتداخل فيها الوقائع السياسية بالتقديرات والتحليلات ، ويستند كثير من الحديث حولها إلى أحداث تاريخية يرى البعض أنها رسمت ملامح علاقة شديدة التوتر بين القاهرة وطهران منذ نهاية السبعينيات وحتى اليوم.
فالكثيرون لا يعرفون كيف بدأت هذه القطيعة أو كيف تطورت عبر الزمن ، ولذلك من المفيد استعادة بعض المحطات الأساسية لفهم الصورة الكاملة.
تعود نقطة التحول الكبرى إلى عام 1979، حين قررت إيران بعد الثورة التي قادها آية الله الخميني قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر. وقد جاء القرار آنذاك في سياق الاعتراض الإيراني على توقيع مصر إتفاقية السلام مع إسرائيل ، وهو الموقف الذي رُفع في الخطاب السياسي الإيراني باعتباره رفضاً للتطبيع مع ما كانت طهران تصفه بالعدو. غير أن منتقدي إيران يرون أن هذه الصورة لم تكن بالوضوح الذي عُرضت به في الخطاب العلني، إذ تشير بعض الروايات إلى وجود تعاملات غير معلنة بين طهران وتل أبيب خلال تلك الفترة ، شملت صفقات سلاح وإمدادات مختلفة ، وهو ما اعتبره البعض تناقضاً بين الخطاب السياسي المعلن والممارسات التي جرت في الخفاء.
وفي الوقت ذاته ، تصاعدت لغة الإعلام الإيراني تجاه مصر بشكل ملحوظ خلال تلك السنوات ، حيث اتهمت القاهرة طهران بمحاولة التأثير على الداخل المصري عبر خطاب تحريضي يدعو إلى ما سُمي آنذاك “تصدير الثورة الإسلامية”، وهو المفهوم الذي تبناه النظام الإيراني الجديد بهدف نشر أفكاره السياسية والدينية خارج حدوده. وقد أثار ذلك قلقاً واسعاً لدى عدد من الدول العربية ، التي رأت في هذا التوجه محاولة للتدخل في شؤونها الداخلية وإثارة اضطرابات سياسية أو مذهبية.
ثم جاءت محطة أخرى زادت التوتر بين البلدين بعد اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981. فقد أثار قرار إيران إطلاق اسم خالد الإسلامبولي ، منفذ عملية الاغتيال ، على أحد شوارع طهران غضباً واسعاً في مصر، واعتُبر خطوة سياسية رمزية تعكس عمق الخلاف بين الطرفين. ومنذ ذلك الوقت بقيت العلاقات المصرية الإيرانية في حالة جمود شبه كامل لسنوات طويلة.
خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات ، واجهت مصر موجة عنف وإرهاب تبنتها جماعات متطرفة، وقد اتهمت القاهرة أطرافاً إقليمية بتقديم دعم غير مباشر لبعض هذه التنظيمات عبر التمويل أو التدريب أو الإيواء. وفي هذا السياق ، وُجهت اتهامات لإيران بأنها لعبت دوراً في دعم بعض هذه الجماعات، وهو ما كانت طهران تنفيه أو تقلل من شأنه في أغلب الأحيان ، لكن الاتهامات ظلت جزءاً من السجال السياسي بين الجانبين.
وفي عام 2009 برزت قضية أخرى أعادت توتر العلاقات إلى الواجهة ، عندما أعلنت السلطات المصرية عن تفكيك خلية مرتبطة بحزب الله اللبناني بقيادة شخص يُدعى سامي شهاب. ووفق الرواية الرسمية المصرية آنذاك ، كانت هذه الخلية تخطط لتنفيذ عمليات داخل مصر قد تستهدف مصالح استراتيجية مثل قناة السويس أو مواقع سياحية ، وهو ما اعتبرته القاهرة اعتداءً على أمنها القومي. وقد انتهت القضية بمحاكمة أفراد الشبكة وسجنهم قبل أن يتم الإفراج عن بعضهم لاحقاً في ظروف سياسية معقدة.
ومع اندلاع أحداث عام 2011 في مصر وما تبعها من اضطرابات سياسية ، دخلت المنطقة كلها في مرحلة من التحولات العميقة. ويرى بعض المحللين أن إيران حاولت استغلال حالة الفوضى التي صاحبت تلك الفترة لتوسيع نفوذها في المنطقة. وفي خضم هذه الأحداث ظهرت اتهامات متبادلة حول دور أطراف خارجية في تأجيج الاحتجاجات أو استغلالها لتحقيق مصالح سياسية، وهو جدل ما زال مستمراً حتى اليوم بين من يرى تلك الأحداث حراكاً شعبياً خالصاً وبين من يعتقد أن قوى إقليمية ودولية حاولت توظيفها.
لاحقاً، ومع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم لفترة قصيرة في مصر ، شهدت العلاقات المصرية الإيرانية نوعاً من الانفتاح المحدود. فقد زار الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد القاهرة في عام 2013، في زيارة اعتُبرت الأولى من نوعها لرئيس إيراني منذ عقود. وقد أثارت بعض المشاهد الرمزية خلال تلك الزيارة جدلاً واسعاً في الداخل المصري، خصوصاً ما جرى داخل الجامع الأزهر ، الذي يمثل أحد أهم رموز الإسلام السني في العالم.
لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلاً، إذ شهدت مصر في عام 2013 تحولات سياسية كبيرة بعد خروج مظاهرات واسعة انتهت بتغيير الحكم. ومنذ ذلك الحين عادت العلاقات المصرية الإيرانية إلى حالة البرود الشديد ، مع استمرار الخلافات حول ملفات إقليمية متعددة.
وفي السنوات التالية ، اتهمت مصر وعدد من الدول العربية إيران بدعم جماعات مسلحة في المنطقة ، سواء في اليمن أو لبنان أو العراق أو سوريا ، وهو ما اعتبرته هذه الدول تهديداً لاستقرار المنطقة العربية. ومن بين أبرز هذه الملفات قضية الحوثيين في اليمن ، الذين تتهمهم دول عربية بأنهم مدعومون من طهران، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر وأثرت بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وعلى إيرادات قناة السويس.
وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة بالنسبة لمصر ، لأن قناة السويس تعد أحد أهم مصادر الدخل القومي ، وأي اضطراب في حركة الملاحة بالبحر الأحمر ينعكس فوراً على الاقتصاد المصري. ولذلك تنظر القاهرة بقلق بالغ إلى أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة الحيوية ، سواء كان مرتبطاً بالصراع في اليمن أو بالتوترات الأوسع في الخليج.
كما أن استقرار منطقة الخليج والمشرق العربي يمثل أهمية كبيرة لمصر بسبب وجود ملايين المصريين العاملين هناك ، الذين تعتمد أسر كثيرة داخل مصر على تحويلاتهم المالية. ولهذا فإن أي تصعيد عسكري واسع في تلك المنطقة قد يؤثر بشكل مباشر على حياة ملايين المصريين وعلى الاقتصاد المصري نفسه.
وفي خضم الصراعات الإقليمية الحالية ، يتبادل كثير من الأطراف الاتهامات حول المسؤولية عن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط. فهناك من يرى أن الصراع في المنطقة بات ساحة لتنافس القوى الإقليمية الكبرى مثل إيران وتركيا وإسرائيل ، وكل منها يسعى إلى توسيع نفوذه وتحقيق مصالحه الاستراتيجية. وفي المقابل يرى آخرون أن جذور الأزمة أعمق من ذلك بكثير ، وأنها ترتبط أيضاً بتدخلات القوى الدولية الكبرى التي تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
وبين هذه الرؤى المختلفة يبقى الواقع أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة التعقيد ، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية بالصراعات السياسية والانقسامات المذهبية. ولذلك فإن كثيراً من المحللين يرون أن أي تصعيد إضافي قد يفتح الباب أمام صراعات أوسع يصعب السيطرة عليها.
ومن هذا المنطلق يؤكد عدد من الخبراء أن مصلحة مصر الأساسية تظل مرتبطة بالحفاظ على استقرار المنطقة وتجنب الانجرار إلى صراعات مفتوحة، مع الاستمرار في حماية أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية. فالقاهرة تدرك أن أي حرب إقليمية واسعة لن يكون فيها منتصر حقيقي ، بل ستدفع شعوب المنطقة كلها ثمنها.
وهكذا تبقى العلاقة بين مصر وإيران واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في الشرق الأوسط ، حيث تختلط فيها الذاكرة التاريخية بالصراعات السياسية الراهنة ، وتبقى محكومة بحسابات الأمن القومي والتوازنات الإقليمية التي تتغير باستمرار.



